قال أبو كندا:

الخلف: ظهور الشيء بوجه آخر.

وليس المراد بالظهور رؤية العين وحدها؛ بل ظهور الذات، أو الحال، أو الحكم، أو القول، أو الفعل، أو الأثر.

ولا يلزم في «الوجه الآخر» أن يكون ضدا لما سلف؛ بل يكفي أن يكون مغايرا له.

وإليك بيان هذا المعنى في القرآن الكريم:

⸻

القسم الأول: «خلف»

أولا: ظهور قوم بعد قوم

  1. آل عمران: 170

﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.

  1. النساء: 9

﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾.

  1. الأعراف: 169

﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب﴾.

  1. يونس: 92

﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾.

  1. مريم: 59

﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾.

وجه المطابقة:

يظهر قوم بعد قوم؛ فيكون اللاحق خلفا للسابق.

وهذا ظاهر جدا في قوله:

﴿فخلف من بعدهم خلف﴾.

فقد سلف قوم ثم ظهر بعدهم قوم آخرون، وقد يكون الوجه الذي ظهر عليه الخلف مغايرا لوجه السلف، كما قال:

﴿أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾.

وكذلك الذرية: يذهب الآباء وتظهر الذرية بعدهم.

وكذلك ﴿لمن خلفك﴾: يهلك فرعون، ثم تظهر بعده أمم يكون بدنه لها آية.

فـ«الخلف» هنا:

ظهور قوم بعد من سلفهم.

⸻

ثانيا: «اخلفني» و«خلفتموني»

  1. الأعراف: 142

﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾.

  1. الأعراف: 150

﴿قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم﴾.

وجه المطابقة:

كان موسى ظاهرا في قومه قائما بأمرهم، فلما غاب ظهر هارون قائما فيهم مقامه:

﴿اخلفني﴾: اظهر بعد غيبتي في قومي قائما بما كنت أقوم به.

وأما قوله:

﴿بئسما خلفتموني من بعدي﴾،

فقد تركهم موسى على وجه من عبادة الله وانتظار أمره، ثم ظهر منهم بعد غيبته وجه آخر: عبادة العجل والاستعجال.

فالمادة في الموضعين تدور على ظهور حال بعد حال سابقة.

⸻

ثالثا: ما بين الأيدي وما خلف

  1. البقرة: 66

﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾.

  1. البقرة: 255

﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.

  1. مريم: 64

﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك﴾.

  1. طه: 110

﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.

  1. الأنبياء: 28

﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.

  1. الحج: 76

﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.

وجه المطابقة:

«ما بين الأيدي» هو ما حضر وظهر من الأمر، و«ما خلف» ما يأتي بعد ذلك فيظهر.

فالله يعلم ما ظهر من أحوالهم، وما لم يظهر بعد وسيظهر؛ فلا يخرج عن علمه حاضر ولا مستجد.

وفي قوله:

﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك﴾

استيعاب لجميع الأحوال: ما ظهر، وما سيظهر، وما بينهما.

وعليه يكون:

الخلف: ما يأتي بعد الحال الظاهرة فيظهر.

⸻

رابعا: الإتيان والحفظ والرصد من بين الأيدي ومن الخلف

  1. الأعراف: 17

﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾.

  1. الرعد: 11

﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾.

  1. الجن: 27

﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾.

وجه المطابقة:

ليس الأمر مقصورا على ما حضر وظهر من شأن الإنسان؛ بل يتناول ما يستجد عليه بعد ذلك فيظهر.

فالشيطان يأتي الإنسان فيما حضر من أمره، وفيما يستجد له.

والحفظ محيط بما ظهر من شأن الإنسان وما سيظهر.

والرصد يحفظ أمر الرسول والوحي فيما ظهر منه وما يتلوه حتى يبلغ أمر الله.

⸻

خامسا: السد من بين الأيدي ومن الخلف

  1. يس: 9

﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾.

وجه المطابقة:

هذه الآية لطيفة على أصلنا.

فالسد حجب عنهم ما بين أيديهم مما حضر وظهر، وحجب عنهم ما يأتي بعد حالهم فيظهر.

فأحيط بهم من جهة المشهود والمستجد.

ولذلك جاء عقب ذلك:

﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾.

فهم لا يبصرون ما حضر لهم، ولا ينكشف لهم ما يأتي بعده.

وعليه لا نجعل «خلفهم» اسما مجردا لجهة وراء الظهر، بل:

ما يأتي بعد حالهم فيظهر لهم.

⸻

سادسا: ما بين الأيدي وما خلف من السماء والأرض

  1. سبأ: 9

﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض﴾.

وجه المطابقة:

الإنسان يرى من السماء والأرض ما ظهر له، ثم كلما مضى في زمان أو مكان ظهر له منهما وجه لم يكن مشاهدا له من قبل.

فالسماء تتبدل مشاهدها من سحاب وصحو ومطر وغير ذلك، والأرض يظهر منها للإنسان ما لم يكن بين يديه من قبل.

فـ«ما خلفهم» على هذا:

ما لم يظهر لهم في الحال، ثم يأتي فيظهر.

⸻

سابعا: اتقاء ما بين الأيدي وما خلف

  1. يس: 45

﴿وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون﴾.

وجه المطابقة:

اتقوا ما حضر وظهر من أسباب العقوبة، وما سيظهر بعد ذلك من عواقب أعمالكم.

فجمع لهم ما ظهر من أمرهم وما يستجد عليهم.

⸻

ثامنا: مجيء الرسل والنذر

  1. فصلت: 14

﴿إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله﴾.

  1. الأحقاف: 21

﴿وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله﴾.

وجه المطابقة:

تظهر النذر والرسل في الأمم متعاقبة؛ يظهر رسول، ثم يظهر بعده رسول، وتظهر أمة بعد أمة، والدعوة واحدة:

﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾.

فالخلف هنا متصل بتعاقب ظهور النذر.

⸻

تاسعا: تزيين ما بين الأيدي وما خلف

  1. فصلت: 25

﴿فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.

وجه المطابقة:

زين القرناء لهم ما ظهر من شأنهم وأعمالهم، وزينوا لهم ما يستجد بعد ذلك ويظهر من آثار تلك الأعمال وآمالهم وأحوالهم.

فشمل التزيين ما حضر وما يستجد.

⸻

عاشرا: الباطل من بين يديه ومن خلفه

  1. فصلت: 42

﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾.

وجه المطابقة:

لا يأتي القرآن الباطل فيما ظهر وتقدم من أمره، ولا يأتيه فيما يستجد بعد ذلك فيظهر.

فهو محفوظ فيما سلف وفيما يأتي بعده.

وعلى أصلنا:

لا يظهر بعده ما يجعله باطلا أو يبطله.

⸻

الحادي عشر: «يخلفون»

  1. الزخرف: 60

﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾.

وجه المطابقة:

أي يظهر بعضهم بعد بعض في الأرض؛ فيأتي اللاحق بعد السابق.

فهو من:

ظهور تال بعد سابق.

⸻

الثاني عشر: التشريد بمن خلفهم

  1. الأنفال: 57

﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون﴾.

وجه المطابقة:

يظهر العقاب في هؤلاء، ثم يظهر أثره فيمن يأتي بعدهم، فيتفرقون ويعتبرون بما ظهر في السابقين.

فما ظهر في الأولين أحدث وجها آخر فيمن خلفهم.

⸻

القسم الثاني: «خلفة»

  1. الفرقان: 62

﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾.

وجه المطابقة:

يظهر الليل، ثم يظهر النهار بوجه آخر، ثم يعود الليل بعد النهار.

فهذه من أبين صور المادة:

ظهور شيء بعد شيء على وجه مغاير له.

فالليل ليس النهار، والنهار ليس الليل، ومع ذلك لا يلزم من اختلافهما أن يكون أصل «الخلاف» هو التضاد؛ وإنما ظهر كل واحد منهما على غير وجه الآخر.

⸻

القسم الثالث: «خليفة وخلفاء وخلائف»

27–35

﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾.

﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾.

﴿جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾.

﴿جعلكم خلفاء من بعد عاد﴾.

﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم﴾.

﴿وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾.

﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾.

﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾.

﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾.

وجه المطابقة:

هذه الآيات يجمعها أصل واحد:

يذهب سابق، ثم يظهر بعده من يقوم في الأرض بوجه آخر.

فذهبت أمة وظهرت أخرى، وذهب قوم نوح فظهرت عاد، وذهبت عاد فظهرت ثمود.

ومن هنا سمي اللاحق خليفة؛ لأنه ظهر بعد من سلفه.

فالخلافة ليست مجرد «وراء» ولا مجرد جهة، وإنما فيها ظهور قائم بعد قائم.

⸻

القسم الرابع: «استخلف ومستخلفين»

36–40

﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾.

﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾.

﴿ويستخلف ربي قوما غيركم﴾.

﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾.

﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾.

وجه المطابقة:

أوضحها:

﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾.

فالذهاب يقابله ظهور آخر: يذهب قوم، ثم يظهر غيرهم.

وكذلك:

﴿ويهلك عدوكم ويستخلفكم﴾.

يهلك وجه ظاهر في الأرض، ثم يظهر مكانه وجه آخر.

وأما المال في قوله:

﴿جعلكم مستخلفين فيه﴾،

فقد ظهر في يد من قبلك، ثم ظهر في يدك، ثم ينتقل إلى من بعدك.

فالاستخلاف:

إظهار لاحق بعد سابق فيما كان إليه.

⸻

القسم الخامس: «خُلِّفوا»

  1. التوبة: 118

﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾.

وجه المطابقة:

«خُلِّفوا» على وزن فُعِّلوا، من «خلَّف» على وزن «فعَّل».

مضى أمر من اعتذر إلى رسول الله ﷺ بالكذب، وقبل منهم ظاهرهم، وبقي أمر الثلاثة الذين أظهروا الصدق مؤجلا.

فأظهر في هؤلاء الثلاثة حكم آخر: أخر أمرهم، وهجرهم الناس، حتى يقضي الله فيهم.

ثم ظهر حكم الله الأخير بتوبته عليهم:

﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾.

فعلى أصلنا:

خُلِّفوا: أُظهر فيهم حكم آخر غير الحكم الذي مضى في غيرهم؛ فأخر أمرهم حتى ظهر حكم الله فيهم.

وهذا من الشواهد الدقيقة على أن «الخلف» قد يكون في ظهور الحكم والحال، لا في ظهور الأشخاص وحدهم.

⸻

القسم السادس: «يتخلفوا، الخالفين، الخوالف، المخلفون»

42–45، 52–54

﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾.

﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾.

﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾.

﴿سيقول لك المخلفون من الأعراب﴾.

﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم﴾.

﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾.

وجه المطابقة:

ظهر رسول الله ﷺ ومن معه في وجه النفير والجهاد، وظهر هؤلاء بوجه آخر هو القعود.

فالتخلف هنا:

ظهور حال من قوم على غير الحال التي ظهر عليها من مضى منهم.

ولهذا لا نحتاج إلى جعل أصل الكلمة «البقاء وراء الظهر»؛ وإنما القعود أظهرهم بوجه آخر عن وجه النافرين.

⸻

القسم السابع: «خلاف»

46، 47، 50، 51

﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾.

﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾.

وجه المطابقة:

لا يراد بالخلاف هنا التضاد؛ فاليد ليست ضد الرجل.

وإنما يظهر القطع في اليد على وجه، وفي الرجل على وجه آخر؛ فيقع القطع من جهتين متغايرتين.

وهذا شاهد نافع على أن:

الخلاف مغايرة في وجه الظهور، وليس التضاد نفسه.

  1. التوبة: 81

﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله﴾.

  1. الإسراء: 76

﴿وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا﴾.

وجه المطابقة:

يذهب الرسول أو يخرج، ثم يظهر حال من بقي بعده.

فـ«خلاف رسول الله» ظهور حالهم على غير الحال التي ظهر عليها الرسول ﷺ وأصحابه.

و﴿خلافك﴾: ما يظهر منهم بعد خروجك وغيابك.

⸻

القسم الثامن: «خالف»

  1. هود: 88

﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾.

  1. النور: 63

﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾.

وجه المطابقة:

هذه من أقوى شواهد الأصل.

يظهر الأمر أو النهي أولا على وجه، ثم يظهر فعل الإنسان على وجه آخر.

فقول شعيب:

﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾

أي: لا أنهاكم عن شيء، ثم أظهر من نفسي فعلا على غير الوجه الذي دعوتكم إليه.

فالمخالفة:

إظهار الفعل على غير ما سلف من أمر أو قول.

⸻

القسم التاسع: «أخلف ومخلف»

57–69، 71

﴿فلن يخلف الله عهده﴾.

﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾.

﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾.

﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾.

﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾.

﴿ووعدتكم فأخلفتكم﴾.

﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾.

﴿موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت﴾.

﴿فأخلفتم موعدي﴾.

﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾.

﴿وإن لك موعدا لن تخلفه﴾.

﴿ولن يخلف الله وعده﴾.

﴿لا يخلف الله وعده﴾.

﴿لا يخلف الله الميعاد﴾.

وجه المطابقة:

الوعد يظهر أولا على وجه يخبر بما سيكون.

فإذا جاء وقت وقوعه وظهر الواقع على غير الوجه الذي سلف به الوعد، فهذا إخلاف.

ومن أوضحه قول الشيطان:

﴿ووعدتكم فأخلفتكم﴾.

أظهر لهم في الوعد وجها، ثم ظهر الواقع على وجه آخر.

وكذلك:

﴿فأخلفتم موعدي﴾.

سبق الموعد على وجه، ثم ظهر فعلهم على غير ذلك الوجه.

أما الله فلا يخلف وعده؛ لأن الواقع يظهر موافقا لما سلف من وعده.

فعلى أصلنا:

إخلاف الوعد: ظهور الواقع على غير الوجه الذي سلف به الوعد.

⸻

القسم العاشر: ﴿فهو يخلفه﴾

  1. سبأ: 39

﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾.

وجه المطابقة:

هذه من أجمل شواهد المادة.

يخرج المال من اليد فيذهب، ثم يظهر بعد الذاهب رزق آخر.

فـ:

﴿يخلفه﴾: يظهر بعد الذاهب عوضا عنه.

وهنا اجتمع الذهاب والظهور والتعاقب في موضع واحد.

⸻

القسم الحادي عشر: «اختلف ويختلفون»

72–100

ومنها:

﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾.

﴿اختلفوا في الكتاب﴾.

﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾.

﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾.

﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾.

﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾.

وجه المطابقة:

هذه الطائفة من أقوى الشواهد على أصلنا.

الشيء واحد، ولكن يظهر عند هذا الفريق بوجه، وعند الفريق الآخر بوجه آخر.

فإذا كثرت الفرق كثرت وجوه الظهور.

ولهذا قال:

﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾.

أي ظهر من كل حزب في الأمر وجه غير الوجه الذي ظهر من الحزب الآخر.

ولا يلزم من هذا التضاد.

لكن قد تبلغ المغايرة حد التضاد، كما قال:

﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾.

فالإيمان والكفر متضادان، ولكن التضاد نتيجة بلغ إليها الاختلاف في هذا الموضع، وليس هو أصل معنى الاختلاف.

وعليه:

اختلفوا: أظهروا الشيء على وجوه متعددة.

⸻

القسم الثاني عشر: «اختلاف»

101، 102، 104، 105، 107

﴿واختلاف الليل والنهار﴾.

وجه المطابقة:

يظهر الليل بوجه، ثم يظهر النهار بوجه آخر، ثم يتعاقبان.

فهو قريب من قوله:

﴿جعل الليل والنهار خلفة﴾.

وهذا من أجمع الشواهد بين «خلفة» و«اختلاف».

⸻

  1. الروم: 22

﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾.

وجه المطابقة:

هذه من أقوى الحجج على أن الاختلاف ليس هو التضاد.

فلسان قوم ليس ضد لسان قوم، ولون إنسان ليس بالضرورة ضد لون الآخر.

ولكن:

ظهر هذا بوجه، وظهر ذاك بوجه آخر.

فالاختلاف هنا تعدد وجوه الظهور.

⸻

  1. النساء: 82

﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾.

وجه المطابقة:

أي لظهر بعضه على وجه لا يأتلف مع ما ظهر عليه بعضه الآخر.

فإذا اشتدت المغايرة حتى تناقض بعض الكلام مع بعض كان ذلك من الاختلاف المذموم.

⸻

القسم الثالث عشر: «مختلف»

  1. الأنعام: 141

﴿والنخل والزرع مختلفا أكله﴾.

  1. النحل: 13

﴿مختلفا ألوانه﴾.

  1. النحل: 69

﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه﴾.

  1. فاطر: 27

﴿فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها﴾.

  1. فاطر: 28

﴿ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه﴾.

  1. الزمر: 21

﴿ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه﴾.

وجه المطابقة:

هذه الطائفة لعلها أبين شاهد حسي على أصل البحث.

فالأشياء تخرج وتظهر، ولكنها لا تظهر على وجه واحد.

يخرج الشراب ثم يظهر بألوان مختلفة.

وتخرج الثمرات فتظهر بألوان مختلفة.

ويخرج الزرع فيظهر بألوان مختلفة.

ويظهر الناس والدواب والأنعام على ألوان وهيئات مختلفة.

وأجمعها:

﴿ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه﴾.

فقد جمع النص نفسه بين الخروج والظهور الحسي والمغايرة.

وعليه:

المختلف: ما ظهر بعضه بوجه غير الوجه الذي ظهر به بعضه الآخر.

⸻

  1. هود: 118

﴿ولا يزالون مختلفين﴾.

وجه المطابقة:

لا يزال يظهر من الناس في الأقوال والأعمال والاعتقادات وجوه متغايرة.

⸻

  1. الذاريات: 8

﴿إنكم لفي قول مختلف﴾.

  1. النبأ: 3

﴿الذي هم فيه مختلفون﴾.

وجه المطابقة:

القول في الأمر لم يظهر على وجه واحد؛ بل ظهر من هذا قول، ومن الآخر قول آخر.

فالمختلفون:

قوم أظهر كل منهم في الشيء وجها غير وجه صاحبه.

وقد تكون الوجوه متغايرة فقط، وقد تبلغ حد التضاد.

⸻

الجامع بين الأقسام كلها

إذا جمعت هذه الاستعمالات ظهر لنا نسق واحد:

خلف: ظهر بعد ما سلف.

خليفة: ظهر بعد سابق قائما فيما كان إليه.

استخلف: أظهر لاحقا بعد سابق.

خلفة: ظهر أحد الشيئين بعد الآخر بوجه مغاير.

خُلِّفوا: أظهر فيهم حكم آخر غير الحكم الذي مضى في غيرهم.

خالف: أظهر فعلا على غير ما سلف من أمر أو قول.

أخلف الوعد: ظهر الواقع على غير الوجه الذي سلف به الوعد.

يخلفه: يظهر عوض بعد ما ذهب.

اختلفوا: أظهروا الشيء على وجوه متعددة.

اختلاف: تعدد وجوه الظهور.

مختلف: ظهر بعضه على غير الوجه الذي ظهر به بعضه الآخر.

وعلى ذلك يبقى الأصل الذي نختبره في جميع المادة:

الخلف: ظهور الشيء بوجه آخر.

ولا يلزم من «الوجه الآخر» التضاد، ولا يلزم أن يكون الظاهر هو عين الشيء الأول، ولا أن يكون الظهور رؤية بالبصر؛ بل قد يظهر قوم بعد قوم، وحكم بعد حكم، وحال بعد حال، وفعل على غير أمر، وواقع على غير وعد، ولون على غير لون، وقول على غير قول.

وهذا هو الذي يجمع تفرق هذه الاستعمالات في أصل واحد.