يخرج صاحبنا في المقابلة، وقد جلس على الكرسي جلسة من فتح البلاد، ووضع رجلا على رجل، وأمال رأسه قليلا؛ ليعلم المشاهد أن الأفكار العظيمة ثقيلة، وأن رأسه قد مال من حملها!

فيسأله المذيع:

كيف بلغت هذا النجاح؟

فيتنحنح، ويصلح ثوبه، ثم يقول:

أنا منذ صغري مختلف عن الناس؛ كنت أرى ما لا يرونه، وأفهم ما لا يفهمونه، وأخطط وهم يلعبون، وأعمل وهم نائمون!

فتنظر إليه، فإذا سنه يومئذ عشر سنين، وأعظم مشروعاته أنه كان يقنع أمه بأن تكتب عنه واجباته المدرسية، ثم يذهب إلى المدرسة مزهوا بذكائه وحنكته وحسن تدبيره!

ثم يقول:

بدأت من الصفر!

ولا يخبرك أن الصفر كان بيت أبيه، وسيارة أبيه، ومال أبيه، وأن زوجته صبرت عليه، وأن أصحابه أعانوه، وأن موظفيه حملوا عنه نصف العمل؛ فهؤلاء جميعا عند ذكر النجاح يتحولون إلى قطع أثاث لا ذكر لها.

فيسأله المذيع:

ومن أعانك في مسيرتك؟

فيقول، وقد امتلأ إعجابا بنفسه:

لم يساعدني أحد، أنا صنعت نفسي بنفسي!

ثم يأخذ في تعداد مناقبه، كأنما يخشى أن تفوته فضيلة لم ينسبها إلى نفسه:

أنا خططت، وأنا خاطرت، وأنا صبرت، وأنا نهضت، وأنا واجهت، وأنا تجاوزت العقبات!

ثم يقول: وما بلغت ما بلغت إلا باجتهادي، وذكائي، وحنكتي، ودهائي، وفطنتي، وعبقريتي، وبعد نظري، وحسن تدبيري، وقوة عزيمتي، وسداد رأيي، وسرعة بديهتي، وشجاعتي في اتخاذ القرار، وقدرتي على اقتناص الفرص!

فإذا فرغ من تعداد فضائله، ظننت أنك أمام رجل اجتمع فيه عقل أرسطو، وحكمة لقمان، ودهاء عمرو بن العاص، وشجاعة عنترة؛ ولم يبق له من خصال الكمال إلا أن يشهد لنفسه بالنبوة!

وما درى المسكين أنه لولا فضل الله ما استطاع أن يأخذ نفسا، ولا أن يطرف بعين، ولا أن يحرك لسانا، ولا أن يرفع يدا، ولا أن يخطو خطوة؛ وأن عقله الذي يفتخر به لو سلبه الله إياه لصار لا يميز بين الدرهم والحجر، وأن لسانه الذي لا يفتر عن مدح نفسه لو أمسكه الله لعجز عن النطق بحرف، وأن قلبه الذي امتلأ إعجابا بعبقريته لو توقف عن الخفقان لحظة لانتهت عبقريته وحنكته ودهاؤه، ولم يبق من مشروعاته العظيمة إلا خبر وفاته!

وما علم أن في الناس من هو أذكى منه عقلا، وأبعد منه نظرا، وأشد منه عزيمة، وأطول منه صبرا، وأمضى منه حيلة، وأحسن منه تدبيرا، وأكثر منه سعيا، وأعظم منه اجتهادا؛ فمنهم من أحكم ما أفسده، وأصاب حيث أخطأ، وصبر حيث جزع، وسعى حيث قعد، ثم لم يبلغ مع ذلك ما بلغه صاحبنا! لا لأن صاحبنا أعقل منهم، ولا لأنه أحسن منهم تدبيرا، ولكن لأن الله بسط له من فضله ما لم يبسط لهم، وفتح له من أبواب رزقه ما لم يفتح لهم.

فليخبرنا صاحبنا: إن كان النجاح بذكائه وحده، فلم لم ينجح كل من هو أذكى منه؟ وإن كان بحنكته، فلم لم يظفر به من هو أدهى منه؟ وإن كان بصبره واجتهاده، فلم سبق من هو أصبر منه وأشد اجتهادا؟

أم يظن أن الله لما خلق العقول جعل أعقلها في رأسه، ولما قسم الحنكة والدهاء والصبر جمعها كلها له، ثم ترك سائر الناس يقتسمون ما فضل عنه؟!

ولو عقل لعلم أن الذي فضله على غيره قادر على أن يمسك عنه فضله، وأن يغلق في وجهه الأبواب التي فتحها له، وأن يسلبه في لحظة ما جمعه في سنين، وأن يكله إلى نفسه، وإلى ذلك العقل الذي أعجب به، والدهاء الذي افتخر به، والحنكة التي أكثر من ذكرها؛ فحينئذ يرى كم يبلغ ذكاؤه إذا انقطع عنه توفيق الله، وكم تنفعه حنكته إذا حيل بينه وبين أسباب رزقه!

فيا عجبا لمن افتخر بما وهب له، ونسي من وهبه، واحتج بالنعمة على فضل نفسه، ولم ير فيها فضل ربه!

ولا يزال يقول: أنا، حتى تظن أن المشروع لم يكن فيه موظف غيره، وأنه كان يبيع ويشتري، ويحاسب نفسه، ثم يشكر نفسه على حسن الخدمة!

فإن سألوه عن الموظفين قال:

كان لهم شرف العمل معي!

وإن سألوه عن شركائه قال:

أنا الذي صنعتهم!

وإن سألوه عن أبيه قال:

ورثت منه الإصرار!

وأما الملايين التي ورثها، فلا فضل لأبيه فيها؛ فلولا كفاحه وذكاؤه وعبقريته لما وصلت إليه! فإن وراثة الملايين ليست بالأمر الهين؛ ففتح الحساب في البنك يحتاج إلى عزيمة، وإدخال الرقم السري يحتاج إلى ذكاء، والنظر إلى الرصيد يحتاج إلى قلب شجاع؛ وليس كل امرئ يقوى على مواجهة الملايين وحده، واحتمال أصفارها الثقيلة، ثم الخروج من البنك سالما من أهوال هذا الكفاح!

وإن نجح مشروع قال:

هذه رؤيتي، وثمرة ذكائي، وبعد نظري، وحسن تخطيطي!

وإن خسر قال:

السوق متقلب، والظروف لم تكن مواتية!

وإن أحسن موظف قال:

هذه ثمرة توجيهي، وحسن إدارتي، وقدرتي على اكتشاف المواهب!

وإن أخطأ موظف قال:

لقد خذلني الفريق، ولم يكونوا على قدر المسؤولية!

وإن أصاب في قرار قال:

هذه حنكتي، وفراستي، وسرعة بديهتي!

وإن أخطأ في قرار قال:

المعطيات كانت مضللة!

وإن سبقه غيره إلى فرصة قال:

الحظ خدمه!

وإن سبق هو غيره قال:

هذا دهائي، وبعد نظري، وقدرتي على اقتناص الفرص!

وإن فتح الله له بابا قال:

عرفت من أين تؤكل الكتف.

وإن أغلق دونه باب قال:

هذا قدر الله!

فالنجاح عنده من حسن تدبيره، والخسارة من القضاء والقدر؛ يأخذ لنفسه الغنم، ويدفع إلى القدر الغرم!

وهكذا لا يرى في كل ما ناله إلا أثر ذكائه وحنكته واجتهاده، ولو أحصى نعم الله عليه لطال به المقام: عقل يفكر، ولسان يبين، وبدن يعمل، وصحة تعين، وأمن يطمئن، وإرث كبير، وأبواب تفتح، وقلوب تقبل، وأسباب تجتمع، ومصائب تصرف؛ ثم ينسب الفضل كله إلى نفسه، كأن الله لم ينعم عليه بشيء، وكأن هذه النعم جميعا من صنع يديه!

وصدق الله:

﴿وقليل من عبادي الشكور﴾.

فالشاكر قليل؛ لأن النعمة ظاهرة، والمنعم يغيب عن قلب الغافل. يرى الرجل الباب الذي دخل منه، ولا يرى من فتحه؛ ويذكر يده التي أخذت، ولا يذكر من أعطاها؛ ويحصي خطواته إلى الرزق، وينسى من ساق الرزق إليه.

وقال الله تعالى:

﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾.

فقال: ﴿بنعمة ربك﴾، ولم يقل: بعبقريتك فحدث، ولا بدهائك فحدث، ولا بحنكتك فحدث، ولا بذكائك فحدث، ولا بحسن إدارتك فحدث!

فالتحدث بالنعمة أن تقول: أنعم الله علي، وفتح لي، ويسر أمري، وساق إلي الخير، وأعانني على العمل.

أما أن تقيم لنفسك عرسا في كل مقابلة، وتكون أنت العريس والخطيب والشاهد والمادح، فذلك حديث بالنفس، لا حديث بنعمة الرب!

وللشكر عند الله منزلة عظيمة، حتى جعل النبي ﷺ الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، فقال:

«الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر».

فهذا أمسك عن الطعام فصبر، وهذا طعم فشكر، وكلاهما قام بحق العبودية في حاله.

فليس الفضل في ترك النعمة وحده، بل قد يكون الفضل في تناولها، ومعرفة قدرها، وحمد من أنعم بها. ورب لقمة صغيرة عظمها الشكر، ورب نعمة كبيرة محقها الجحود.

فرجل يأكل لقمة، ثم يقول: الحمد لله، ثم يخبر أبناءه أن هذه النعمة من الله، هو الذي أنعم بها عليهم، يبلغ بشكرها منزلة الصائم الصابر. وصاحبنا قد ابتلع شركة، وأكل أرباحها، وشرب نجاحها، ثم لم تخرج من فمه كلمة حمد؛ كأن اللقمة الصغيرة وجدت عبدا شاكرا، ولم تجد النعمة الكبيرة إلا مديرا تنفيذيا!

فيا صاحب المقابلة، لا بأس أن تحدث عن جهدك، ولكن لا تجعل الجهد خالقا للنتيجة. واذكر سعيك، ولكن لا تنس من أقدرك عليه. واذكر من أعانك، ولا تجعل الناس سلما تصعد عليه، فإذا بلغت أعلاه ركلته برجلك وقلت: وصلت وحدي!

قل:

وفقني الله، وأعانني، ويسر لي الأسباب، وسخر لي من أعانني، وبارك في القليل حتى كثر، وصرف عني من السوء ما لا أعلم.

فالعبد يحرث، والله ينبت؛ والعبد يسعى، والله يفتح؛ والعبد يدق الباب، ولكن فتحه ليس بيده.

وفي آخر اللقاء يقول المذيع:

نشكرك على هذا الحديث الملهم.

فيجيبه صاحبنا، وقد أشرق وجهه إعجابا بتواضعه:

الشكر لكم، وأنا دائما أؤمن بأن التواضع من أعظم أسباب النجاح، ولولا تواضعي لما بلغت ما بلغت!

ثم يبتسم ابتسامة من أضاف إلى سجل مناقبه فضيلة جديدة!

وهكذا يشكر المذيع الضيف، ويشكر الضيف المذيع، وتشكر القناة الراعي؛ أما رب النعمة…

{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }