تفسير سورة العلق
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)
**********
قال أبو كندا : رَوَتْ أُمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنه ، خبرَ مَبْدَإِ الوحي،
فقَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ .
” حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ،
فَقَالَ : اقْرَأْ، قَالَ : ” مَا أَنَا بِقَارِئٍ “.
قَالَ : ” فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “.
فَقَالَ : اقْرَأْ. قَالَ : ” قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ “.
قَالَ : ” فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “.
فَقَالَ : اقْرَأْ. فَقُلْتُ : ” مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “.
فَقَالَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } . رواه البخاري
إنّ أوّل ما لاح من أنوار النبوّة في قلب النبيّ ﷺ لم يكن فزعًا يزلزل النفس، ولا صوتًا يقرع السمع، بل كان لطفًا ربّانيًّا تسلّل إلى القلب كالنسيم في السحر، فاستقرّت به السكينة، واطمأنّت له النفس.
إذ كان الوحي تمهيدًا رفيقًا، وتدرّجًا حكيمًا من ربّ العالمين،
مبتدؤه تلطّفًا بعد تلطّف، وتدرّجًا على سَنَن الحكمة، لا يُفاجِئُ بما يَثقل، ولا يُحمِّلُ ما يَشُقّ . حتّى إذا جاء أمرُ اللّه، قام له قيامَ من أُدِّبَ فأحسن الأدب .
فجُعلت الرؤيا الصادقة طلائعَ ذلك النور، تأتي كالصبح، لا لَبْسَ فيها ولا اختلاط.
ثمّ حُبِّبَ إليه الخلاء، وليس كلُّ خلاءٍ يُحمد، فإنّ في الناس من يعتزل عجزًا، أو يفرّ ضيقًا، أو ينقطع وَهَنًا، فيكون انقباضُه ضعفًا، وانفراده خورًا. فأمّا رسولُ اللّه ﷺ فكانت خلوته اختيارَ قادرٍ لا اضطرارَ مُضطرّ، ونظرَ متأمّلٍ لا انكسارَ منخذل؛ اعتزالُ قوّةٍ لا عزلةَ عجز.
حُبِّبَ إليه الخلاء ، وهو التاجرُ الذي لا تقوم تجارته إلا بالمداولة في السوق ، والمخالطة في الاعياد والمناسبات،
فالتجارةُ سوقُ الرجال، ومِضمارُ العقول، لا تُنال أرباحُها إلا بمقارعة الناس ومقاساة الأحوال؛ فليس لصاحبها أن ينقبض انقباضَ الراهب، ولا أن ينقطع انقطاعَ المُتبتّل، إذ في الانقطاع ذهابُ الربح، وفي العزلة فواتُ الطلب.
ومع ذلك آثر ﷺ الخلاء، ليَتحنّث، أي ليتنزّه عن أدران القوم، ويجافي ما هم عليه من عبادة الأوثان، وتعظيم النُّصُب، وشهود الأعياد الباطلة، وأكل الذبائح لغير اسم اللّه.
فلم يكن يشهد لهم باطلًا، ولا يُمالئهم على ضلالة، ولا يرضى بشركهم؛ إذ كانت فطرته تأبى ما اعتادوه، وسجيّتُه تنفر ممّا ألفوه. فكانت خلوته تخلّصًا لا تخلّفًا، وتطهّرًا لا تقصيرًا، وكان حياؤه عصمةً له؛ فإنّ الحياء لا يأتي إلا بخير .
فكانت الرؤيا تمهيدًا، وكانت الخلوة إعدادًا، وكان التحنُّث تطهيرًا؛ حتى إذا استتمَّ الصفاء، وأُذن بالنداء، جاءه القولُ الفصل:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فكان الابتداءُ قراءةً، والغايةُ هدايةً، وبينهما تاريخُ نورٍ ابتدأ في القلب سرًّا، ثم ظهر في الآفاق جهرًا، فملأ الأرضَ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا .
وبينما الرسولُ ﷺ في خلوته، إذ داهمه أمرٌ لم يخطر له على بالٍ، وأحاط به شعورٌ غريبٌ لم يعهده من قبل، فارتجف فؤادُه، واضطربت نفسُه اضطرابَ الطيرِ المذعورِ.
ولم يكد يستجمعُ ما تفرَّق من شعوره، حتى بدا له الملَكُ، ظاهرًا يملأ النفسَ رهبةً، ويغمر القلبَ جلالًا، كأنما انطبقت عليه هيبةُ السماءِ، وغشيته عظمةٌ لا يُدرِك لها كنهًا، ولا يجدُ منها مهربًا .
ثمَّ انبعثَ صوتٌ جليلٌ واضحٌ، يشقُّ سكونَ المكانِ شقًّا، وينفذُ إلى أعماقِ قلبِهِ نفاذَ النورِ في الظُّلمةِ، لا لَبْسَ فيه ولا خفاءَ، يقولُ له في حزمٍ وجلالٍ: اقرأْ.
وكان ﷺ رجلًا من أهلِ التجارة، لم يألفْ مجالسَ القُصّاص، ولا عهدَ له بحفظِ الأشعار، ولا تدرَّب على تلاوةِ الكتب حتى يَقرأَ عليه؛ فأجاب، من غيرِ تكلُّفٍ ولا مُواربةٍ: «ما أنا بقارئ». فلم يزِدْه الملكُ تأنِّيًا ولا لينًا، بل أخذه فغطَّه حتى بلغ منه الجهد، كأنَّما يُنتَزَعُ من صدره ما ألِفَتِ النفسُ من سكونٍ، ويُفرَغُ فيه ما لم يسبقْ له به عهدٌ، ثم أرسله.
ثمّ قال له: «اقرأ». فكان الجوابُ مثلَ الأوّل: «ما أنا بقارئ». فأخذه الثانيةَ، فبلغ من شدّة الأخذ ما أذهل فكرَه، وأذاب صبرَه، ثمّ أرسله.
ثم قال له ثالثةً: «اقرأ». فقال ما قال أوّلَ مرّةٍ، وقد استبدَّ به الوجلُ، واستولى على قلبه الخشوعُ: «ما أنا بقارئٍ».
فأخذه الثالثةَ، حتى إذا بلغ منه الغايةَ، وأخذ منه الجهدُ كلَّ مأخذٍ، أرسله، وقد تهيَّأ ـ وإن لم يشعر ـ لحملِ أمرٍ عظيمٍ، وسماعِ قولٍ ثقيلٍ .
هنالك انفسحَ صدرُ النبوّة، وانصدعَ حجابُ الغيب، وتلا عليه الملكُ صدرَ سورةِ العلق، فكانت أوّلَ ما طرق سمعَه من كلامِ الله — جلّت قدرتُه — إيذانًا بأنَّ عهدَ الرسالةِ قد ابتدأ، وأنَّ الأرضَ قد استقبلت يومًا لم تعرفْ له نظيرًا .
ولم يكن تكرارُ الأمر، ولا شدّةُ الأخذاتِ الثلاثِ، من بابِ الامتحانِ المجرّدِ، ولكنّها تهيئةٌ للرّوح، وتمكينٌ للقلب؛ ليعلم أنّ الوحي ليس بخاطرٍ يمرّ، ولا رؤيا تخطر، بل هو عهدٌ يُحمَل، وأمانةٌ تُؤدّى، وثِقْلٌ لا ينهضُ به إلّا من أيّده الله بثباتٍ من عنده .
خرج ﷺ من الغارِ غيرَ الذي دخل؛ دخل مُتَحنِّثًا، وخرج نبيًّا، قارئًا لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهو لا يخطُّ بيده كتابًا، ولا يقرأ في صحيفةٍ حرفًا .
كانتِ القراءةُ عند العربِ الأميِّين حفظَ القصصِ والأشعارِ والأخبارِ في صدورِهم؛ يتوارثُها آخِرُهم عن أوَّلِهم، فتلك قراءتُهم، لا يُودِعونها كتابًا، ولا يُقيِّدونها بقلمٍ.
فكان مبدأُ الأمر : اقرأ.
وكان مطلعُ تاريخٍ جديدٍ للبشرية كلمةً واحدةً: اقرأ.
وكان بدءُ الرسالة: اقرأ .
وكان ابتداءُ الفجر الصادق: اقرأ.
وما يزالُ نورُ تلك الكلمةِ يسري في الآفاقِ، لا يُخطِئُ موضعًا، ولا يَخبو أثرًا.
فتفسير قول الله تعالى
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
قال ابو كندا :
إنَّ قولَ جبريلَ عليهِ السَّلامُ لرسولِنا ﷺ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} يُفْهَمُ منه عدَّةُ أمورٍ:
أوَّلُها: إيذانٌ بانقضاءِ عهدٍ، وابتداءِ عهدٍ، وانتقالٌ به من حالٍ إلى حالٍ، ومن مقامٍ إلى مقامٍ. فقد كان قبلَ ذلك رجلًا يمشي في أسواقِ النَّاسِ، يبيعُ ويبتاعُ، ويُعرَفُ بينهم بالأمانةِ والصِّدقِ. حتَّى إذا جاءه هذا النِّداءُ العُلويُّ، ارتفعَ به عن تلك المواطنِ، ونُقِلَ من لَغَطِ الأسواقِ إلى سكينةِ التَّلقِّي، ومن مخاطبةِ الخَلْقِ إلى مُناجاةِ الحقِّ.
فكان قولُه تعالى: {اقْرَأْ} حدًّا فاصلًا بين حياتين؛ حياةٍ كان فيها محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّاجرَ الأمينَ، وحياةٍ صار فيها محمَّدٌ نبيَّ اللهِ، القارئَ باسمِ ربِّه، والمتلقِّي عنه نورَ الهدايةِ، والحاملَ إلى البشر رسالةَ السَّماءِ.
وثانيها: إعلامُه بأنَّ جبريلَ رسولٌ من عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أُرسِلَ بحملِ كلامِه إليه، وائتُمِنَ على أداءِ وحيِه، وأُذِنَ له أن يقرأَ عليه كلامَ ربِّه؛ ليكونَ السماعُ منه تلقِّيًا عن الله، والبلاغُ عنه بلاغَ أداءٍ لأمرِه تعالى، لا حكايةً عن غيرِه، ولا نقلًا عن سواه.
فكان قوله تعالى: {اقرأ باسم ربِّك الذي خلق} إشارةً إلى أنَّ الذي داهمَه لم يكن طارقَ ليلٍ من الشياطين، ولا هاجسًا من خواطرِ النفس، ولكنَّه مَلَكٌ كريمٌ مُرسَلٌ من عندِ اللهِ العزيز، جاءه يحملُ أمرَه، ويؤدِّي إليه وحيَه؛ فالشيطانُ لا يدعو إلى اسمِ الربِّ، ولا يفتتحُ خطابَه بذكرِ الخالق .
ثالثُها: اصطفاءُ اللهِ محمدًا ﷺ للنبوَّة؛ إذ لم يكن هذا الخطابُ عامًّا للخلقِ، وإنَّما كان خطابًا خاصًّا قصدَ به شخصٌ بعينِه، في لحظةٍ بعينِها، وفي حالٍ لم يُشارِكْه فيها أحدٌ من البشر. وهنا تظهرُ حقيقةٌ لا سبيلَ إلى إنكارِها، وهي أنَّ محمدًا ﷺ قد خُصَّ بشيءٍ لم يُخَصَّ به غيرُه، فدلَّ ذلك على أنَّه المختارُ من بينِ عبادِه للنبوَّة.
وفي هذا التخصيصِ حقيقةُ النبوَّة؛ لأنَّها اختيارٌ إلهيٌّ محضٌ، لا يُنالُ بالسعي، بل يُمنَحُ بالاصطفاءِ. فكان قولُه: {اقرأ باسمِ ربِّك الذي خلق} إعلانًا بأنَّه المختارُ من بينِ عبادِه بالنبوَّة .
رابعُها: فيه دلالةُ فضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ على النبيِّ ﷺ في تدبيرِه وتربيتِه؛ فإنَّه قد نشَّأه على عينِ عنايتِه، وتقلب في ضروبِ لطفِه وإحسانِه. إذ وجده يتيمًا فآواه، فكان له كافلًا وحافظًا، ووجده ضالًّا فهداه؛ أي لا يعرف ما أعدَّه له من أمرِ النبوَّةِ، ولا سُبُلَ الوحي، فدلَّه عليه وأرشده إليه. ووجده عائلًا فأغناه؛ أي ذا فاقةٍ، فأغناه بما ساق إليه من أسبابِ الكفايةِ والقناعةِ، حتى استغنى بالله عمَّن سواه.
فكان قوله: {رَبِّكَ} إعلامًا له بأنَّ الذي ربَّاه صغيرًا، وكفله يتيمًا، وهداه في أوانِ طلبِه، هو الذي يتولَّى تعليمَه، ويُفيض عليه من أنوارِ العلمِ ما تكمل به رسالتُه، وتظهر به حجَّتُه، وتتمُّ به نعمةُ ربِّه عليه .
قال أبو كندا : ومختصر ذلك كله :
إنَّ أوَّلَ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ ﷺ من الوحيِ الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يتحنَّث في غار حراء، يتنزَّه عمَّا عليه قومُه من الشرك، وقد عصمه اللهُ بفطرته، وطهَّره من أدران الجاهليَّة، وأعدَّه لأمرٍ عظيم.
فلمَّا جاءه جبريلُ عليه السلام قال له: ﴿اقْرَأْ﴾، فقال: «ما أنا بقارئ»، فأخذه فغطَّه ثلاثًا، ثم تلا عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فكان ذلك أوَّلَ ما نزل من القرآن، وفيه ابتداءُ نبوَّته ﷺ، وإعلامُه أنَّه رسولُ ربِّه، وأنَّ الذي جاءه ملَكٌ من عند الله، لا شيطانٌ ولا خاطرُ نفس.
وفي قولِه: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إعلامٌ له بربِّه الذي ربَّاه، وكفله، وهداه، وأنَّه يتولَّى تعليمَه، ويُبلِّغُه وحيَه، ويصطفيه لرسالته؛ فانتقل بذلك من حالِ التاجرِ الأمين، إلى مقامِ النبيِّ المرسَل، يتلقَّى عن ربِّه، ويُبلِّغ عن الله.
فكانت الرؤيا تمهيدًا، والخلوة إعدادًا، وابتداءُ الوحي إعلامًا بالرسالة، واصطفاءً من الله لنبيِّه ﷺ، وتعليمًا له ليكون هاديًا للخلق، ورحمةً للعالمين
قال ابو كندا واليك معاني الالفاظ التي وردت في السورة على لسان العرب :
{ٱقْرَأْ} من مادّة [ق ر أ]، ومعناه عند العرب مركّبٌ من الضمِّ والإحسانِ؛ لإيجادِ نتيجةٍ .
فإذا قالوا: قرأ الرجلُ، فإنّما يريدونَ أنّه جمعَ الكلماتِ، ثمّ أخرجَها إخراجًا مُحكمًا، لا خللَ فيه ولا فساد؛ لأنّ مجرّد الجمعِ ليس بقراءةٍ حتّى يكونَ معه إقامةُ اللفظِ على وجهه، وإحسانُ أدائه، حتّى يُؤدِّي إلى معنىً يُنتفعُ به.
فإذا قيل: {ٱقْرَأْ}، فإنّما هو أمرٌ له بأن يضمَّ ما يُعلَّم، ويجمعَه في صدرِه، ثمّ يُقيمَه على لسانِه إقامةً حسنةً، حتّى يخرجَ منه كلامٌ تامٌّ يُؤدِّي إلى نتيجةٍ من الفهمِ والعلم.
ومن ذلك قولهم: قَرَى الضيفَ يَقْرِيه قِرىً، فإنّما معناه أنّه ضمَّ إليه ما يُصلحه من الطعامِ، وجمعَ له ما ينتفعُ به، ثمّ أحسنَ القيامَ عليه حتّى يؤدِّي حقَّه.
ومن ذلك أيضًا القَرْيَةُ، وإنّما سُمِّيَت قريةً لأنّها مَوضعٌ قد ضُمَّ بعضُ بنائِه إلى بعضٍ، وجُمِعَ أهلُه فيه، فصاروا مجتمعينَ بعد تفرّقٍ؛ فليست القريةُ إلّا موضعَ جمعٍ وضمٍّ، ضُمَّت فيه الدُّورُ، وجُمِعَ فيه الناسُ، فاستقامَ به الأمان .
ومن ذلك قولُهم: القُروء، وهي أوقاتُ ضمِّ الدمِ الفاسدِ واجتماعِه في جسدِ المرأةِ، ثمّ خروجِه في حينٍ معلومٍ؛ فكان ضمُّه جمعًا، وخروجُه إحسانًا إلى الجسدِ وصلاحًا له، إذ به تزولُ الأذى وتستقيمُ الحالُ.
{ بِٱسۡمِ } ولفظ [ اسم ] من مادة [ س، م، و ] ومعناه عند العرب مركب من العلو والظل .
فإنَّ العربَ تُسمِّي ما علا فأظلَّ سماءً، كالغمامِ والسَّقفِ ونحوِهما، فصارَ الاسمُ عندهم كالسماءِ للمسمَّى، يُظلُّه بالبيانِ، ويُظهِرُه للدلالةِ، فيُعرَفُ به بعد أن لم يكن يُعرَفُ، ويتميَّزُ به بعد أن كان مُبهَماً .
{رَبِّكَ}: لفظُ «رَبٍّ» من مادّة «ر، ب، ب»، ومعناه عند العرب: السيِّدُ المطاعُ، القائمُ على النَّماء والإصلاح. ولا يُقال ذلك مُطلقًا إلا لِمَنْ جَمَع هذه المعاني.
فإذا قيل: «رَبُّكَ»، فالمعنى: سيِّدُكَ الذي له عليك الطاعةُ، والقائمُ بأمرك، والمُصلِحُ لشأنك، والمُنَمِّي لك من حالٍ إلى حالٍ، حتى يُبلِّغَكَ تمامَ ما قُدِّرَ لك .
[الذي] هكذا هو عند العرب، ويُستعمَلُ لتبيينِ الصِّفةِ أو الموصوفِ. واعلم أنَّ [الذي] من الأسماءِ الموصولةِ، وهو اسمٌ مُبهَمٌ لا يُعرَفُ المرادُ به حتى تُذكَرَ صِلَتُه؛ فبها يتبيَّنُ الموصوفُ إن خَفِيَ، وتتجلَّى الصِّفةُ إن أُجْمِلَتْ. وإنما سُمِّيَ مُبهَمًا لِما فيه من الافتقارِ إلى ما بعده؛ إذِ الصِّلةُ كالمفتاحِ لمعناه، وبها ينكشفُ المقصودُ من الخطابِ، ويستبينُ وجهُ الكلام .
فإذا قلتَ: جاء الذي أكرمتُه، لم يُعلَم المرادُ بـ الذي حتى قلتَ: أكرمتُه، فكانت هذه الصِّلةُ بيانًا له، وعُرِفَ بها المقصود. فصار الذي مع صِلَتِه كالشَّيء الواحد، لا يُفصَل بعضُه عن بعضٍ في المعنى .
[خَلَقَ] : ولفظُ [خ، ل، ق] عندَ العربِ يعني تصيير بتقديرٍ، وترتيبٍ، ومراحلَ؛ فلا يكونُ جزافًا، ولكن بعلمٍ سابقٍ، وقصدٍ واقعٍ، حتى يتمَّ الخَلْقُ ويستبينَ.
فلا يريدونَ به الإحداثَ بغتةً من غيرِ تقديرٍ، ولكنَّه عندهم إيقاعُ الشيءِ على صفةٍ معلومةٍ، بعدَ تقديرٍ له في النفسِ، وترتيبٍ لأجزائهِ، وإنزالٍ له من حالٍ إلى حالٍ، حتى يستويَ على الوجهِ الذي أُريدَ له.
فكانوا إذا قالوا: خَلَقَ الرجلُ الأديمَ، فإنما يعنونَ أنه قدَّرَ قطعَه، وهيَّأ مواضعَه، ثم شقَّه على مقدارٍ، ثم سوَّاه حتى صارَ قِرْبةً أو نعلًا. ولم يكونوا يرونَ أنَّ ذلك يكونُ دفعةً واحدةً، ولكن مرحلةً بعدَ مرحلةٍ، وصنعةً بعدَ صَنْعةٍ.
والله أعلم