الجديد في تأويل الاستعاذة 24/2/2026 ( 3 )

الاستعاذة3

قوله  ﴿ الرَّجِيمِ ﴾.
قال أبو كندا: ومعنى “الرَّجِيمِ” هو “المَرْجُومُ بالحِجَارَةِ”، وإنّ أحقرَ أنواعِ الطَّرْدِ، وأقبحَها، وأذلَّها للمطرودِ، هو الطَّرْدُ بالحِجَارَةِ رجْمًا.
وإنّ ما ذكره بعض العلماء في تأويل “الرَّجِيم” بالملعون المشؤوم، فغريبٌ ظاهرٌ، إذ لم تكن العرب تستعمل “الرَّجْم” إلاّ في الرمي بالحجارة، فلا يُستعار له غير ذلك.
فإنّها خصّت الاسم بهذا المعنى، وجعلت الفعل مقرونًا بما يُرمى به.
والقرآن يُؤوَّل على ظاهره، فإن عسر فهم الآية على ظاهرها، انتقل التأويل إلى المجاز .
قال ابن فارس في مادة ( رَجَمَ) أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ [الرَّمْيُ بِـ الْحِجَارَةِ ]، ثم يستعار لذلك .
مِنْ ذَلِكَ الرِّجَامُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ.
يُقَالُ رُجِمَ فُلَانٌ، إِذَا ضُرِبَ بِالْحِجَارَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: الرِّجَامُ: حَجَرٌ يُشَدُّ فِي طَرَفِ الْحَبْلِ، ثُمَّ يُدَلَّى فِي الْبِئْرِ، فَتُخَضْخَضُ الْحَمْأَةُ حَتَّى تَثُورَ ثُمَّ يُسْتَقَى ذَلِكَ الْمَاءُ فَتُسْتَنْقَى الْبِئْرُ. وَالرُّجْمَةُ: الْقَبْرُ، وَيُقَالُ هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُجْمَعُ عَلَى الْقَبْرِ لِيُسَنَّمَ.
وَالَّذِي يُسْتَعَارُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: رَجَمْتُ فُلَانًا بِالْكَلَامِ، إِذَا شَتَمْتَهُ. أ،هـ
قال أبو كندا: وقولُ ابنِ فارسٍ هذا، هو الصوابُ عندي؛ لأنَّ ابنَ فارسٍ بنى المعنى على أقوالِ العربِ واستعمالاتِهم لهذه الكلمةِ، إلاّ على جهةِ الاستعارة البيّنة، كقولهم: رَجَمْتُ فُلَانًا بِالْكَلَامِ، لأنّهم شبّهوا وقعَ القول بوقع الحجر، لما فيه من أذًى وإيلام.
وقال بعضُهم: إنَّ معنى الرَّجْمِ في الأصلِ الشَّتمُ، وإنَّما الرَّميُ بالحجارةِ معنىً ثانويٌّ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾، مع أنّ المفسِّرين لم يُجمِعوا على أنّ معناها الشتمُ؛ فقد قال بعضُهم: هو الرميُ بالحجارة،
وقال آخرون: لأقتلنَّك، أي: لأرمينَّك بالحجارةِ حتّى الموت. وقال يحيى بنُ سَلَامٍ: ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾ بالحجارة؛ فلأقتلنَّك بها.
ولو كان معنى الرَّجمِ هو الشتمَ، لاحتجّت به اليهودُ على الرسول ﷺ حين أمرَ برجمِ من زنى منهم.
روى مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن ابنِ عمرَ أنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ ” فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. [13]
ثم لو كان معنى الرَّجْمِ هو “المَلْعُونَ المَشْتُومَ”، فما تفسيرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾، في قولهِ تعالى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾.
أَيَكُونُ مَعْنَاهَا شَتْمًا أَوْ لَعْنًا بِالْغَيْبِ؟!
وهذا ممّا تأباه العربية، ولا يستقيم به اللسان.

قال أبو كِندا: فدلّ ذلك على أنّ الرَّجْم هاهنا ليس بالسبّ ولا باللَّعن، وأمّا معنى قولِه تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾: أي قولٌ لم يُبنَ على عِلمٍ، كفعلِ الشياطينِ الذين يحاولون استراقَ السمعِ، فيُرْجَمون بالنُّجومِ فلا يَسْمَعون، ثم يُلَفِّقون الكلامَ كَذِبًا، كأنَّهم قد استمعوا.
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ() تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ() يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾.
وقوله ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾.
وما رواه البخاري بسنده عن ابي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا ﴿ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ﴾، لِلَّذِي قَالَ : ﴿ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ – وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ – فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ، أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ “.
وما رواه ايضا بسنده عن  عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت : سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ : ” إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ “. فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ “.
قال أبو كندا: لذلك سمَّتِ العربُ النجومَ التي يُرْمى بها “رُجومًا”.
قال صاحب الجمهرة : والرجوم: النُّجُوم الَّتِي يرْمى بهَا وَبِذَلِك سمي الشَّيْطَان رجيما فعيل فِي مَوضِع مفعول.أ،هـ

وبعدَ هذا كلِّه، أجزم بأنَّ معنى “الرَّجِيمِ” هو “المَرْجُومُ بالحِجَارَةِ”، وإنّ أحقرَ أنواعِ الطَّرْدِ، وأقبحَها، وأذلَّها للمطرودِ، هو الطَّرْدُ بالحِجَارَةِ رجْمًا.

قال أبو كندا: ولعلَّ من رجَّحَ معنى اللَّعنِ والشَّتمِ إنَّما ذهبَ إلى ذلك، لأنَّ كلمةَ «رَجِيمٍ» وُضِعَتْ على وزنِ «فَعِيلٍ» بمعنى «مَفْعُولٍ»، أي: «مَرْجُومٍ»، على جهةِ المبالغةِ.

ولأنّ هذا الوزنَ يدلّ على التكرار في الرجم، فقد فَهِمَ أنَّ “رَجِيمًا” ليس محضَ الرجمِ بالحجارةِ فحسب، بل يُحتمل أنْ يكون من باب اللَّعنِ والشتمِ .
وذلك لأنّه لم يَرِدْ في القرآنِ ولا في السنّةِ بيانُ كيفيّةِ رَجْمِه المستمرِّ، ولا وقتُ رَجْمِه، ولم تبلغه أخبارٌ عن كيفيّة الرجمِ بالحجارةِ، فمالَ الطبريُّ إلى أنّ الأمرَ استعارةٌ عن الشتمِ، واللهُ أعلمُ.
غير أنّ هذا الفهمَ يُؤخَذُ عليهِ أنّ الشتمَ أيضًا لم يُبيَّنْ كيف يكونُ مستمرًّا، إذْ لم يَرِدْ في القرآنِ أو السنّةِ ما يدلّ على شتمِ الشيطانِ.
وأيضًا، لو كان الرجمُ هو اللَّعنَ والشتمَ، فلمَ قرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ بينهما؟! في قوله تعالى: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ () وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين ﴾.

قال أبو كندا: «الرَّجِيمُ» على وزنِ «فَعِيلٍ»، ويُفْهَمُ منها أنَّ إبليسَ قد رُجِمَ بالحجارةِ، وسيستمرُّ رَجْمُهُ بها إلى أن يشاءَ اللهُ تعالى.
فنُصَدِّقُ بذلك ونؤمنُ به، ولا نعلمُ كيفيَّتَهُ.

وقد روى الإمامُ أحمدُ خبراً في ذلك، عن أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ : صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ – قَالَ يُونُسُ : الشَّيْطَانُ – فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ قَالَ : قَدْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – قَالَ يُونُسُ : وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ : يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ ؛ فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ : { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ } { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } ، فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتَّبَّعُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْكِبَاشِ. قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى، قَالَ : هَذَا مِنًى “[15]
فلعلَّ رَمْيَ الجمراتِ حالةٌ من حالات رَجْمِه، أي: الشيطان.

وأمّا من صَرَف معناها إلى رَمْيِ الشياطينِ بالشُّهُبِ والثَّواقِبِ، كما قال الفخرُ الرازيُّ في تفسيره: “أنَّ الشيطانَ إنما وُصِفَ بكونه مرجومًا، لأنّه تعالى أمرَ الملائكةَ برَميِ الشياطينِ بالشُّهُبِ والثَّواقِبِ طردًا لهم من السماوات، ثم أُطلِقَ ذلك الوصفُ على كلِّ شريرٍ متمرِّدٍ. اهـ.

فيُؤخذُ على هذا القولِ أنَّ صفةَ “الرَّجِيمِ” خاصَّةٌ بإبليسَ، وليست بكلّ الشياطين.

قال أبو كندا: وقال قومٌ: إنّ “الرَّجِيمِ” بمعنى “راجِمٍ”، لأنّه يَرْجُمُ الناسَ بالوساوسِ والشّكوكِ،
وهذا القول غريب لأنهم قلبوا المعنى من التحقيرِ والذلّةِ إلى القوّةِ والتأثيرِ.

ثمَّ إنَّ العربَ، وهم أولو البيانِ وسِرُّ النُّطقِ، قد نظروا في أبنيةِ الكلامِ نظرَ البصيرِ في جواهرِ المعدنِ، فاختاروا لكلِّ معنىً وزنًا يليقُ به، وكسَوه من اللفظِ ما يُوافِقُ طبعَه.

فجعلوا الفعل الثلاثي إذا دلّ على آفةٍ تنالُ الجسد، أو مكروهٍ يصيب الحيَّ، على بناء فعيل، ليجري مجرى المفعول، كقولهم: قتيل لمن أُصيب بالقتل، وجريح لمن جُرح، ورجيم لمن رُجم.
فشبَّهوا الاسم بالمفعول، إذ كان الموصوف به مُنَالاً لا نائلاً، ومُصاباً لا مُصيباً.

فإذا كان الفعل من جهة السجية والطبع، ومن باب الغرائز والصفات الراسخة، جعلوه أيضاً على وزن فعيل، ولكن أرادوا به معنى الفاعل، كقولهم: كريم لمن كرُم طبعُه، وعظيم لمن عظم شأنه، ورحيم لكثرة رأفته وإحسانه، وأليم لما فيه من الألم، وحزين لمن اشتمل صدرُه على الحزن.

فانظر ـ رحمك الله ـ كيف فرّقوا بين من يقع عليه الفعل، ومن يقوم به، في لفظٍ واحدٍ لم يبدّلوا صورته، ولكنهم بدّلوا وجه معناه، فكانت لغتُهم كالكائن الحيّ: شكلُه واحد، وأفعاله متباينة.
فدلّ ذلك على تمام فطنتهم، ودقة نظرهم، وأنهم ما وضعوا اللفظ إلا على قدر المعنى، ولا صاغوا الوزن إلا على مثال الحكمة.

والله اعلم،،،

قال أبو كندا: ومختصرُ ذلك كلِّه:
إذا قال العبدُ: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»، فقد أظهر فقرَه إلى مولاه، وتبرَّأ من حوله وقوَّته، وأقرَّ بعجزه عن مقاومة عدوِّه إلا بعونِ الله.
فبمجرَّدِ قولِه: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»، يعترفُ أنَّ الدافعَ للشرِّ، والممسكَ للضرِّ، إنما هو اللهُ لا غيرُه.

فالاستعاذةُ شهادةٌ على الخضوعِ والافتقارِ إلى اللهِ وحدَه،
وشهادةٌ على أنّ الضرَّ لا يُرفَعُ إلّا بإذنِ اللهِ وحدَه،
وشهادةٌ على أنّ الإنسانَ ضعيفٌ أمام نزغاتِه، وأنّ قوّتَه كلَّها لا تُغني عنه شيئًا إن لم تكن باللهِ وحدَه.

فمعنى «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»: أي أطلبُ من اللهِ وحدَه أن يدفعَ عنّي ضررَ الشيطانِ المرجومِ.

فهي كلمةٌ، لو تفكَّر العبدُ في معناها، لعلِمَ أنَّها عقدٌ بينه وبين ربِّه على التوكُّلِ والاعتصامِ، لا لفظٌ يجري على اللسانِ عادةً.

قال أبو كندا: ثمَّ إذا نظرنا في ألفاظِ هذه الجملةِ نظرًا لغويًّا، كما جرى عليه لسانُ العربِ، رأينا أنَّ قولَه: «أعوذُ» من مادَّةِ «ع و ذ»، وتعني عندَ العربِ دفعَ الضررِ.
وأما «الباءُ» عندَ العربِ حرفُ جرٍّ، يدلُّ على أساسِ الشيءِ الذي يقومُ به، ولا يستقلُّ دونَه.
وأما قولُه: «اللهُ» فهو من «الإلهِ»، والعربُ تُطلِقُ اسمَ «الإلهِ» على كلِّ مَن تظنُّه قادرًا على جلبِ النفعِ الغيبيِّ أو دفعِ الضررِ الغيبيِّ.
وأما «مِنْ» حرفُ جرٍّ، وله معنىً واحدٌ، وهو التبعيضُ.
وأمّا «الشَّيطانُ»، فهو مشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ.
وأمّا «الرَّجيمُ»، فهو من مادّة «ر ج م»، وهي عند العربِ يقصد بها في الرَّمْيِ بالحجارةِ.

والله اعلم،،،

———-
[1] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[2] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[3] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[4] – قال أبو كندا: هاتان الروايتان تخالفان الثقات في اللفظ.
[5] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[6] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[7] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[8] – ابو بكر القفال: من طلبة الطبري وابن خزيمة ومن تلاميذة الحاكم وابن مندة.
[9] – الحسن بن الفضل: أحد مفسري القران في عصره توفي سنة 280 .
[10] – قال أبو كندا: وأيضًا اسم «الرحمن» عَلَمٌ غير مُشْتَقٍّ.
 
[11] – قال أبو كندا: الحديث حجة، وأخرجه أحمد.
[12] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[14] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[15] – قال أبو كندا: الرواية أقبلها.

الجديد في تأويل الاستعاذة 24/2/2026 ( 2 )

تأويل قول المستعيذ: [اعوذ بالله من الشيطان الرجيم]
قال أبو كندا: أي اطلب من الله وحده أن يدفع عني ضرر الشيطان المرجوم.
فكلمة [أعوذ] مأخوذة من جذر [عوذ] الذي يدل على دفع الضرر.
ولو تأملت ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ” مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ “[1]
لوجدتَ أن دلالات كلمة [عُوذ] هي دفع الضرر، بدليل قوله ﷺ: “لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ”.
 
وما رواه مالك بسنده عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟ ” فَقَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ “.[2]
لوجدتَ أن الرسول ﷺ قال: “لَمْ تَضُرَّكَ” ولم يقل: “لم تُصِبْكَ”، فالاستعاذة لا تعني الحماية من الإصابة بشيء، بل قد يصيبك الأمر لكنه لا يضرك.
 
قال أبو كندا: إذن، فالاستعاذة تعني طلب دفع الضرر.
والاستعاذة خاصة بالله فلا تطلب من غيره، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ قُدْرَةٌ لَا يَمْلِكُهَا سِواهُ. 
قال ابن كثير: “والعياذة تكون لدفع الشر.” أهـ
 
وبعد دراسةِ كُتُبِ التفسير وكتبِ اللغة، وجدتُ أنَّ المفسِّرين اختلفوا في معنى الاستعاذة، فذكروا لها عدةَ معانٍ، وهي:
1.    الأوّل: الاستِجارة، أي: (طلبُ الأمانِ والحِماية).
2.    الثاني: الالتجاء.
3.    الثالث: الاعتصام، أي: (التمسُّكُ والمنعُ والامتناع).
4.    الرابع: اللِّواذ، أي: (التخفِّي والتستُّر).
5.    الخامس: معنًى عامٌّ يشتمل على الاستجارة، والالتجاء، والاعتصام.
فأمّا من قال إنّ معنى الاستعاذة هو الالتجاء، فأرى أنّ هذا وصفٌ عامٌّ، وليس معنًى خاصًّا بالاستعاذة؛ فالالتجاءُ يكون للاستعانة، ويكون للاستجارة، ويكون للاستعاذة، ويكون للإيواء، أو للفرار، أو للتحصُّن.
وأما اللواذ، فلا يصح أن تُفسر به الاستعاذة، ولا أرى أن يُقال: لاذ بالله، لأن اللواذ في لسان العرب يعني التخفي والتستر، قال الله عز وجل ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ولم أرَ آيةً في القرآن أو حديثًا صحيحًا أو حسنًا ذكر فيه اللواذ بالله، لذا، أرى أنه لا يصلح لمعنى الاستعاذة.
وأما تفسير الطبري للاستعاذة بالاستجارة من باب تعريف الشيء بالمَثَل، فمعنى الاستعاذة لا يطابق معنى الاستجارة.
فلو كان معنى الاستعاذة يطابق معنى الاستجارة لقال الله عز وجل – ولا مبدّل لكلماته- [استجير بالله من الشيطان الرجيم]، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقد يكون تفسير الطبري مبنيًّا على بعض الآثار التي رُويت بالمعنى، فبعض الرواة يروي بالمعنى، فيستبدل الاستعاذة بالاستجارة.
 
وإليك مثالًا على ذلك:
فهذا حديث حذيفة المعروف، الذي رواه أحمد في مسنده، بإسناده عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ “، وَفِي سُجُودِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى “. قَالَ: وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا.[3]
 
وقد رواه الدارمي، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم بلفظ التعوذ.
 
وهناك روايتان، إحداهما عند ابن ماجة، والأخرى عند النسائي، شذّتا عن لفظ التعوذ، فقالا [استجار].
 
فروى ابن ماجة بسنده: عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَجَارَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سَبَّحَ.[4]
 
قال أبو كندا: وما يُشكل على من يقول إنّ الاستعاذةَ هي الاستجارةُ، أن لغة القرآن هي لغة السماء، وإعجازه في نظمه. لذا، فأي كلمتين مختلفتي الحروف لا يمكن أن يكون لهما نفس المعنى ألبتة، بل لا بُدَّ أن تختلفَ إحداهُما عن الأخرى بزيادةِ معنىً أو نقصانه
 
فمن يقول إن الاستعاذة هي الاستجارة، إنما يقصد بذلك أن أقرب معنى للاستعاذة هو الاستجارة، لأنهما تشتركان في المعنى العام وهو الأمان، ولكنهما تختلفان في دلالاتهما.
 
قال أبو كندا: من أوجهِ التشابهِ بين الاستجارةِ والاستعاذةِ أنَّهُما يشتركانِ في طلبِ الأمانِ، وفي كيفيةِ الالتجاء.
كما يتشابهانِ في الأركانِ والحدود؛ فالاستجارةُ عند العربِ لها أركانٌ وحدودٌ.
فأمّا حدودُها، فهي زمانيّةٌ، أو مكانيّةٌ، أو كلاهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ﴾.
وكذلك الاستعاذة، فزمانُها ومكانُها ومدتها يُحدّدها اللهُ عزَّ وجلَّ، ويُخبِرُنا بها الرسولُ ﷺ.
وأمّا أركانُها، فهي الطلبُ والقبول.
فلابدَّ أن تُطلَبَ الاستجارةُ، ويقبلَها المستجارُ به، وكذلك الاستعاذةُ، لا بدّ أن تُطلَبَ، ويقبلَها الله عزَّ وجلَّ.
فطلبُ الاستعاذةِ بالله تعالى من ضرٍّ تخافه، هو حقٌّ لك، لم يمنعك الله منه، بل أذن لك فيه، ورغّبك فيه.
وأمّا القَبولُ، فهو من حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإذا شاء قبِلَ، وإذا لم يشأ لم يُقبَل، وذلك أمرٌ غيبيٌّ، لا يعلمه إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
فإن قيلَ: كيف أَعلَمُ أنَّ اللهَ قد قبِلَ استعاذتي؟
قيلَ: أرسلَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلينا رسولًا من البشرِ ليُبلِّغَنا عنه ماهيَّةَ الاستعاذةِ التي يقبلُها، والاستعاذةَ التي يُعلِّقُ قبولَها بمشيئتِه؛ إنْ شاءَ قبِلَها، وإنْ شاءَ لم يقبلْها.
وهنا تتجلَّى رحمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ في أنَّه أرسلَ إلينا رسولًا يُخبِرُنا بما يحبُّ اللهُ عزَّ وجلَّ وما لا يحبُّ.
فاللهُ عزَّ وجلَّ ملكُ الملوكِ، ذو العظمةِ والجبروتِ، وهو الإلهُ العظيمُ. فإذا قضى عليك أمرًا، فلا مفرَّ منه، ومهما دعوتَ وفعلتَ، فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكنْ.
لكنَّ رحمةَ اللهِ تتجلَّى في القَدَرِ؛ فإنْ قبِلَ استعاذتَك، دفَعَ عنك الضررَ، وإنْ لم تستعِذْ، فدعاؤُك قد يُخفِّفْ أثرَ القَدَرِ.
 
إذن، فكلُّ استعاذةٍ أخبرَ بها النبيُّ ﷺ، أو قالَها، فهي رسالةٌ من الرحمنِ الرحيمِ بأنَّه سيقبلُها، إنْ دعوتَه بها كما أخبرَك الرسولُ ﷺ.
 
ومن هذه الرسائلِ التي أرسلَها اللهُ عزَّ وجلَّ، ما أوحى بها إلى أحبِّ أصحابِه إليه، ووالدِ أحبِّ زوجاتِه إليه بعدَ خديجةَ.
ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: ” قُلِ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ “.[5]
 
هذه الرسالةُ ثابتةٌ عن الرسولِ ﷺ عن اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد حدَّد فيها صيغةَ الاستعاذةِ ووقتها، فإنْ أتيتَ بها كما أخبرَك الرسولُ ﷺ، قبِلَها اللهُ منك وأعاذَك.
 
أمّا إنْ غيَّرتَ الصيغةَ، أو الوقتَ، أو المكانَ، فللهِ عزَّ وجلَّ الحقُّ في قبولِها أو ردِّها، فهو سبحانه وتعالى ربُّ العرشِ العظيمِ  ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.
 
ولقد تأمَّلتُ في الفرقِ بين الاستعاذةِ والاستجارةِ في القرآنِ والسنَّةِ، فوجدتُ ثلاثةَ فروقٍ:
 
أوَّلُها: أنَّ الاستعاذةَ لا تُطلبُ إلَّا من اللهِ عزَّ وجلَّ دون غيرِه، بينما تُطلبُ الاستجارةُ من اللهِ أو من البشرِ.
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾.
قال ابن تيمية: “الاستعاذةُ لا تكونُ إلَّا باللهِ، في مثلِ قولِ النبيِّ ﷺ: (أعوذُ بوجهِك)، و(أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ)، و(أعوذُ برضاكَ من سخطِك)، ونحوَ ذلك، وهذا أمرٌ متقرِّرٌ عند العلماء”. اهـ
 
ثانيها: أنَّ الاستعاذةَ تستلزمُ ذِكرَ ما يُستعاذُ منه، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾.
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ ﴾.
﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) ﴾.
وروى أحمدُ في مسنده، بسنده، عن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ في آخرِ وِترِه:: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ “. [6]
تأمَّلْ كلَّ هذه الأدلَّةِ، فستجدْ أنَّ الاستعاذةَ من شيءٍ معيَّنٍ يجب أن يذكرَه المستعيذُ، أمَّا الاستجارةُ فتكونُ عامَّةً، وليست مُخصَّصةً بشيءٍ.
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ﴾.
﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾.
ثالثُها: إنَّ الاستعاذةَ هي طَلَبُ الأمانِ بدَفْعِ الضَّرَر، أيْ: تَمْضِي في الأمرِ مُطْمَئِنًّا، فإنْ أَصابَكَ شيءٌ فلنْ يَضُرَّكَ.
أمَّا الاستِجارَةُ، فهي طَلَبُ الأمانِ بالضَّمان، أيْ: امْضِ في الأمرِ، ولا خَوْفَ عليك، فإنْ أَصابَكَ شيءٌ وأَضَرَّكَ، فسنَضْمَنُ لك استِرْدادَ حَقِّكَ.
لذلك، فالاستعاذةُ لا تُطْلَبُ إلَّا من اللهِ، أمَّا الاستِجارَةُ فتُطْلَبُ من البَشَر.
وبَعْدَ التأمُّلِ في ذلك، والبحثِ في معنى «أعوذ»، أستطيعُ أن أقول: إنَّ الاستعاذةَ تَعني اللُّجوءَ إلى اللهِ طَلَبًا للأمانِ بدَفْعِ الضَّرَر.
 
واللهُ أعلَم.


 
قوله ﴿ بِاللهِ ﴾.
 “الباءُ” حرفُ جرٍّ، وهي تدل على معنى واحدٍ، وهو الأساسُ في الشيء.
فهذا الحرفُ يدل على أن الاستعاذةَ لا تُطلب إلا من اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يقدر على تحقيقها إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
قال أبو كندا: ميَّز الله عز وجل العرب بكونهم أميين، فكانت كلمتهم عهدًا لا يُنقض، وكأنها عند الأعاجم مكتوبةٌ في ورقة، مشهودٌ عليها بشهادةِ اثنين، وموثَّقةٌ عند المحامي.
ولهذا، كانوا يدقِّقون في كل حرفٍ يُقال، ويصفون لك المشهد كما هو، دون الحاجة إلى رسمه، بل يعتمدون على الكلمات، والحروف، والصوت.
ومن ذلك الفهم، وضعت نظريةً أجريها على لغة العرب، وهي أن كلَّ كلمةٍ تختلف عن الأخرى ولو بحرفٍ واحد، فإن لها معنًى مستقلًّا، وإن تقاربت دلالتهما.
كذلك، فإن كلَّ حرفِ جرٍّ يحمل معنىً ثابتًا، لا يتغيَّر ولا يتنوع، وإن أمكن استنباط معنى مقارب له من خلال السياق، لتيسير الفهم لغير العرب فقط.
وبناءً على ذلك، أقول: إن “الباء” حرفُ جرٍّ يدل على أساسِ الشيءِ الذي يقومُ به ولا يستقلُّ دونه.
فإذا قلت: “مَسَحْتُ بِيَدَيَّ الْمِنْدِيلَ”، فُهِمَ أنك مسحت المنديل بيدك، فالباء دلَّت على أن اليد هي الماسحة، والمنديل هو الممسوح.
أما إذا قلت: “مَسَحْتُ يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ”، فُهِمَ أنك مسحت يدك بالمنديل، فالباء دلَّت على أن المنديل هو الماسح، واليد هي الممسوحة.
وعليه، فالباء ترفع من شأن الاسم بعدها، وتجعله عماد الفعل ومفتاح المعنى.
وإليك مثالًا من القرآن: اقرأ قول الله عز وجل:  ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ .
فقال اللهُ عزَّ وجلَّ هنا: ﴿ بِقِنْطَارٍ ﴾ و﴿ بِدِينَارٍ ﴾، ولم يقل: “على قنطار” أو “على دينار”، مع أنَّ أكثرَ أهلِ اللغةِ والمفسِّرين يرَون أنَّ معنى «الباء» هنا هو الاستعلاء، أي بمعنى «على».
وأما العربيُّ، فإذا سمع قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾، عَلِمَ أنَّ من أهلِ الكتابِ أناسًا أصلُهم ومبدؤهم الخيانةُ؛ فلو اؤتُمِنَ أحدُهم على أقلَّ من الدِّينار، كالدِّرهم، لصعب استرجاعُه منه، ولن يؤديه إلا بعد مشقةٍ وإلحاح.
كلُّ هذا يَفهَمُه العربيُّ دون حاجةٍ إلى شرحِه؛ فبمجرَّد سماعِه «الباء» يُدرِك ما تُشير إليه، دون إطالةٍ في الشرح، وإنْ سمع «على»، فسيستنبط المعنى ويتصرف وفقًا له.
أرأيتَ كيف دلَّ هذا الحرفُ على معانٍ عظيمةٍ، واختصر كثيرًا من العباراتِ في حرفٍ واحد؟
فـ«الباء» تدلُّ على أنَّ المذكورَ بعدها هو الأساسُ في المعنى، وعليه يُبنى الفهمُ.
وإليك مثالٌ آخر: لو سمع العربي قول الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ  ﴾، لأدرك أن الأصل في الرأس عند الوضوء هو المسح، ولفهم أنه إن وُجد على الشعر شيءٌ لاصق، فلا يلزمه إزالته، ولو زرع شعرًا، فلا يجب إيصال الماء إلى عروقه، بل يكفيه المسح فقط.
لذلك، لبَّد الرسول ﷺ رأسه عندما أحرم، وأهَلَّ بالحج في ميقات ذي الحليفة، قبل دخول ذي الحجة بعدة أيام، ولم يحلق شعره إلا يوم العاشر من ذي الحجة.
فروى مالك في موطأه بسنده عن حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ فَقَالَ: ” إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ “.[7]
قال القنازعي: “وصِفَةُ التلبيد أن يأخذ الرجل الصمغ، فيُحِلُّهُ في الماء، ثم يحمله على شعر رأسه، فيشتدُّ ذلك الصمغ على الشعر، ويصير كالسَّطح، يمنع الغبار أن يصل إلى جلد الرأس.” أهـ.
وقال ابن بطَّال: “والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، ليمنعه ذلك من الشعث.” أهـ.
قال أبو كندا: ومع ذلك، مسح الرسول ﷺ رأسه عند الوضوء وصلى، ولم يُزل التلبيد إلا بعد عدة أيام.
ولهذا، قال الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ  ﴾ بـ”الباء”، ولم يقل: “امسحوا رؤوسكم.”
أمّا من قال إنّ “الباء” هنا للتبعيض، أي أنّها بمعنى “من”، فقولٌ غيرُ صحيح؛ إذ لم يُنقل عن الرسول ﷺ أنّه مسح بعضَ رأسه في الوضوء، ولو مرّةً واحدة.
فقد كان ﷺ يمسح رأسه كاملًا، فإن كان عليه عمامة، مسح على رأسه كلّه بالعمامة، كما يفعل إذا كان مُلبَّدًا.
وأمّا من قال إنّ معناها الأصليّ “الإلصاق”، فحديث التلبيد يُبيِّن خطأه؛ فالرسول ﷺ مسح على التلبيد، والصمغُ يعزل الماء عن الرأس، فيمنعه من الملاصقة.
والعجيب أنّ الشافعيَّ يرى “الباء” هنا للتبعيض، فيُجيز مسحَ بعضِ الرأس، بينما يوجب مسحَ الوجه كاملًا في التيمم، مع أنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾.
وحين علمتُ أنّ الشافعيَّ أجاز مسحَ بعضِ الرأس، لأنّ الرسول ﷺ مسح على العمامة، أدركتُ أنّه لم يُفسِّر “الباء” في ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ بالتبعيض.
إذًا، “الباء” تدلّ على أنّ هذا الأمر المقصود هو الأساس في المعنى، ويُبنى عليه الفهم.
وعلى هذا المعنى، يفهم العربيُّ إذا سمع من يقول: “أعوذ بالله”، أنّ هذا القائل ينسبُ أساسَ الاستعاذة إلى الله، فلا تطلب من غيره.
 
والله أعلم،،،


 قوله ﴿  بِاللهِ ﴾.
قال أبو كندا: والعرب تُطلق اسم «الإله» على كلِّ من تظنُّه قادرًا على جلب النفع الغيبي أو دفع الضرر الغيبي.
لذلك، أطلقوا اسم «الآلهة» على أصنامهم، وأوثانهم، وطواغيتهم، معتقدين أنَّها تشفع لهم، أو تضرهم، أو تنفعهم غيبيًّا، فكلُّ قبيلةٍ اتخذت «آلهة» تخصها، تلجأ إليها في طلب النفع الغيبي، وتستدفع بها الضرر الغيبي.
ومع ذلك، اتفقوا على أنَّ اسم «الله» خاصٌّ بالإلهِ الذي في السَّماءِ.
وقال الواحدي : وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل، وابن كيسان وأبو بكر القفال[8]، والحسين بن الفضل[9] إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أ،هـ
وقال الراغب: فأما لفظة: الله، فيجب أن يعلم أن اسماء الله تعالى كلها مشتقة باتفاق أهل اللغة إلا لفظة الله، فإنه مختلف فيها: فبعضهم جعلها كالعلم مستدلاً بأنه يوصف ولا يوصف به كالأسماء الأعلام. أ، هـ[10]
قال أبو كندا: هناك سؤالٌ لا أعرفُ إجابته، وهو: لِمَ أمرنا الله عند قراءة القرآن بالاستعاذة بالألُوهِيَّة، فقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾، بينما أمر في سورة الفلق بالاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة، فقال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾، وفي حديث الاستعاذة عند النزول، وردت الاستعاذة بكلمات الله: «أعوذُ بكلماتِ اللهِ»؟
الذي أعرفه أنَّ هناك مفهومًا أدركه العرب في ذلك الوقت، ولم ندركه نحن الآن، وأعلم أنَّه سيأتي أحدٌ يُدْرِكُهُ لِكَثْرَةِ قراءته في معاني القرآن، ومعاني الأحاديث، وسنن كلام العرب في ذلك الزمان. لذلك، أشارككم نَتاجَ تأمُّلي في هذه المسألة، وهو اجتهادٌ قد يكون خطأً أو صوابًا.
أقول، والله أعلم: خُصَّت الاستعاذة بالألُوهِيَّة عند قراءة كلام الله – عزَّ وجلَّ – لأنَّ الشيطان مبتغاهُ أن يُخرج الإنسان من عبادة الله إلى عبادة غيره، أو أن يدفعه إلى الكفر بالله، فناسب ذلك الاستعاذة بالألُوهِيَّة.
أمَّا الاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة في سورتي الفلق والناس، فهي استعاذةٌ من الشرور الدنيوية، فناسبَ ذِكرُ الرُّبُوبِيَّة؛ لأنَّ الرَّبَّ هو السيِّد والمصلح والرازق.
 
والله أعلم،،،


 
قوله [مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ] .
قال أبو كِنْدا: حرف «مِن» هو حرفُ جرٍّ، وله معنى واحد فقط وهو التبعيض، وهذا هو الأصل.
وأمّا من زعم أنّ معناها الغاية، فقد التبس عليه المعنى؛ لأنّ معنى الغاية يُفهَم من تركيب الجملة وسياقها، لا من دلالة «مِن» وحدها. ومع ذلك، فإنّ فيها دلالةً على التبعيض.
فلو قال قائلٌ: «رحلتُ مِن مكّة»، فلا يعني ذلك أنّه رحل من مكّة جميعَها، بل كان في موضعٍ منها – وهذا هو البعض- فرحل عنه.
وإن زعم آخر أنّها لبيان الجنس، قلنا: بيانُ الجنس هو بيانُ بعضٍ من شيءٍ.
وتبقى دلالة «مِن» قائمةً إذا وضع بعدها مصدر، والمصدرُ هو ما دلّ على معنى الفعل مُجرّدًا عن الزمان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾
قال أبو كِنْدا: أي أصبح ذِكرُ اللهِ على القاسية قلوبُهم نوعًا من الوَيل، أو بعضًا من الوَيل. فقسوةُ قلوبهم ليست من ابتعادهم عن ذكر الله، بل لتكذيبهم وكفرهم وفُجُورهم، فجعل اللهُ ذكرَه كأنّه يُحْرِقُهم كشياطين الجنّ، وهو كما قال الله عزّ وجلّ في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وكذلك «مِن» في قول الله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾. فالله عزّ وجلّ خصّ هنا الإطعامَ عند الجوع، مع أنّه يُطعمهم في حالِ الشَّبَع، لبيان حاجتهم إليه، وأنّهم ليسوا بشيء. وخصّ الأمنَ عند الخوف، مع أنّه آمنهم في خشيتهم ورهبتهم، لبيان حاجتهم إليه، كما تقول: كسوتُك مِن عُرْيٍ، والتخصيصُ يُعدّ تبعيضًا، وهنا يتبيّن لك أنّ حرف الجر «مِن» أصلُه للتبعيض.
قال أبو كندا: “فلو قال قائلٌ: أَفَنَفهمُ من كلامك هذا أنَّنا نستعيذُ بالله من بعضِ الشيطان، وليس كُلِّهِ؟!”
أقولُ لك: إنَّ الشيطانَ طلبَ من اللهِ عزَّ وجلَّ، ف ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾.
وقال الرسول ﷺ ” إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ “.[11]
فاللهُ عزَّ وجلَّ إلهٌ ومَلِكٌ وحَكَمٌ، وقد قضى أنَّ الشيطانَ سيأتيك، وقد يصيبك، وهذا حُكمٌ من اللهِ قد قضاه، ولا مفرَّ منه.
وأمَّا تقديرُ ضَرَرِ هذه الإصابة، فقد جعلَ لك الخيارَ فيها؛ فإن استعذتَ به، دفعَ الضررَ، وإن لم تستعذْ به، استمرَّ الضَّررُ فيكَ حتى يأذنَ اللهُ عزَّ وجلَّ بدفعه.
لذلك، إذا استعذتَ باللهِ من الشيطان، فأنتَ تستعيذُ من ضَرَرِ الشيطانِ كُلِّهِ، لأنَّ ضررَ الشيطانِ متعدِّدٌ، مُتَنَوِّعٌ، ولا نستطيعُ أن نحصرَه.
ومن أنواعِ ضررِهِ: شَرُّه، وشِرْكُه، ووَسْوَسَتُه، وفِتْنَتُه، وهَمَزاتُه، ونَفَثاتُه، ونَفْخاتُه، وتلبيسُه.
فالأفضلُ والأكملُ أن يكون التعوُّذُ منه عامًا دون تخصيصٍ عند قراءةِ القرآن، لدفعِ ضَرَرِه
والله اعلم،،،


قوله ﴿ الشَّيْطَانِ ﴾.
مشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ؛ فهو بعيدٌ بطبعِه عن طباعِ جنسِه، وبفسقِه بعيدٌ عن كلِّ خيرٍ.

قال أبو جعفر:
والشيطانُ ـ في كلامِ العربِ ـ كلُّ متمرِّدٍ من الجنِّ والإنسِ والدوابِّ، وكلُّ شيءٍ، قال ربّنا جل ثناؤه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ  ﴾ ، فجعل من الإنس شياطينَ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
ثم قال: وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير. وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شَطَنَتْ دَاري من دارك – يريد بذلك: بَعُدت. فكأن الشيطان – على هذا التأويل – فَيعَال من شَطَن.أ،هـ

قال أبو كندا: والشَّيطانُ في لُغةِ العربِ مُشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ؛ فهو بعيدٌ بطبعِه عن طِباعِ جِنسِه، وبعيدٌ بِفِسقِه عن كلِّ خيرٍ.
ولهذا يسمّون كلَّ ما تمرَّدَ من جِنِّيٍّ وإنسيٍّ وحيوانٍ شَيْطَانًا. قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾.
 وكما في مسند أحمد بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : ” يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ : الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ “. فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ : ” إِنَّ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ “.[12]
قال أبو كندا: وبِلا شَكٍّ، فَإِنَّ شيطانَ الجنِّ كَافِرٌ، لأنَّه يُخالِفُ جِبِلَّةَ الملائكةِ. وأمَّا شيطانُ الإنس، فقد يكون مُسْلِمًا.
ويدلُّ على ذلك ما روى مالك في الموطأ بسنده عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ “.
وأمَّا المقصودُ في هذهِ الاستعاذةِ فهو إبليسُ؛ لأنَّ «ال» في «الشَّيطانِ» للعهدِ لا للجنسِ.

والله اعلم،،،

الجديد في تأويل الاستعاذة 24/2/2026 ( 1 )

تأويل قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

قال أبو كندا:
اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ الله جلّ ثناؤه إذا أمر عباده بأمرٍ في كتابه، فإنّما يُحمل أمرُه على ما بيّنه رسولُه ﷺ، إذ كان المبيِّنَ عن الله، والدالَّ على مراده، لا يُقدَّم بين يديه قولُ أحدٍ من الناس.
فإذا قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
فالأصلُ في الاستعاذة أن تُؤخذ من بيان النبي ﷺ؛ لأنّه المأمورُ ببيان الكتاب، وقد قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
روى البخاري عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ:
اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ” إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ “. فَقَالُوا: لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
ثم انظر ـ رعاك الله ـ كيف يلتئم هذا البيان النبويّ مع قوله تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾،

فكأنّ الحديث تفسيرٌ عمليٌّ للآية، فالقرآن يأمر، والسنة تبين، والعبد بين الأمر والبيان يتعلم كيف يدفع نزغ الشيطان قبل أن يستحكم، ويطفئ شرارة الغضب قبل أن تصير ناراً.

فدلّ قولُ الله عز وجل، وقولُ رسوله ﷺ، على أن الاستعاذة ليست همسةَ لسانٍ تجري بها العادة، ولا كلمةً يُلقيها المرء كما يُلقي ما لا يعبأ به، ولكنها اعتراف بالضعف أمام شيطان يجري في جسمه مجرى الدم ، فلا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه إلا بالالتجاء إلى ربّه، والاعتصام بحوله وقوته .

فـ«أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ» ليستِ استفتاحَ تلاوةٍ فحسبُ، بل هي أمانٌ من كيدِ الشيطانِ عند قراءةِ القرآنِ؛ فمن غفل عنها عرَّض قلبَه للزيغِ .

فتأويل قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
إذا أردتَ قراءةَ القرآنِ، وأخذتَ في الشروعِ فيه، فاستعِذْ بالله من الشيطان الرجيم، فتقولُ: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم»

قال أبو كندا: فالعربُ، فيما جرى به كلامُهم واستقام عليه عُرفُهم، أنّ الشرطَ إذا جاء، وجاء جوابُه من أفعالِ العملِ، حُمِل الجوابُ على أوّلِ الشروعِ في ذلك العمل، ولم يُؤخَّرْ إلى تمامِه ولا إلى انقضائِه.
ألا ترى أنّهم يقولون: «إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبِّرْ»؟ فتكونُ التكبيرةُ عند أوّلِ القيامِ إليها، لا بعد الفراغِ من أفعالِها. فهذا جارٍ على سَنَنِ كلامِهم؛ يُحمَل عليه الخطابُ، ويُفهَم به مرادُ المتكلِّم؛ إذ العِبرةُ بما تعارفوه في لسانِهم.

قال الثعلبي في تفسيره: فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لنص القرآن. أ،هـ .
وقال ابن عطية ” وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد». ونحو هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول إنه لا يجوز “. أ، هـ

قال أبو كندا: فلما تبين اختلاف الصيغ، وجب ردُّها إلى ميزان الأثر.

وأشهر ما نُقل من الصيغ الأخرى قولهم:
«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»،
و «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه».

غير أنّ هذه الصيغ وإن زُخرفت بأسماء الله الحسنى، فلم يثبت فيها نصٌّ صحيح عن النبي ﷺ، وما كان في الدين توقيفيًّا لا يُؤخذ بالذوق، ولا يُبنى على تحسين السمع.

وقد وردت فيها أحاديث، أكثرها معلولٌ بضعف الرواة، أو بانقطاع السند، أو بجهالة بعض رجاله، فما من روايةٍ في هذا الباب إلا وقد اعترضها سيفُ النقد، فلم تسلم من جرحٍ ولا علّةٍ، حتى قال الناظر فيها: «كلّها لا تقوم بها حُجّة»

وإليك الروايات وعللها :
روى أحمد : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وَكَبَّرَ، قَالَ : ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ “.
< قال أبو كندا: لا أحتج بهذه الرواية، ففيها جعفر بن سليمان، وهو ثقة في روايته عن ثابت البناني فقط، وأما في غيره فهو ضعيف. وهنا يروي عن علي بن علي اليشكري >

وروى أحمد: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ” مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، إِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ “.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها خالد بن طهمان ليس بثقة >.

وروى أحمد: عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، وَسَبَّحَ ثَلَاثًا، وَهَلَّلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَشِرْكِهِ “.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده مبهم >.

وروى أحمد: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ: ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ “. قَالَ عَمْرٌو: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها عاصم العنزي مجهول >.

وروى أحمد: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا – ثَلَاثًا – الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ “. قَالَ حُصَيْنٌ: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ صَاحِبَ الْمَسِّ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندهاعباد بن عاصم مجهول وقيل انه هو عاصم العنزي >.

وروى أحمد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ، وَنَفْخِهِ “. فَهَمْزُهُ: الْمُوتَةُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها محمد بن الفضيل روى عن عطاء بن السائب ومحمد بن الفضيل مضطرب إذا روى عن عطاء بن السائب >.

وروى ابن وهب ( 197 هـ )في كتابه الجامع : قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ: شَكَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَنْسَى الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ وَالْعَلِيمُ، وأعوذ برب مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ إِنَّكِ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ بِالْقُرْآنِ بَصَرِي، وَأَطْلِقْ بِالْقُرْآنِ لِسَانِي وَاشْرَحْ بِالْقُرْآنِ صَدْرِي، وَأَفْرِجْ بِالْقُرْآنِ عَنْ قَلْبِي وَاسْتَعْمِلْنِي بِهِ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي؛ فَقَالَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ النِّسْيَانُ.

وكل هذه الروايات عن الرسول ﷺ لا يُحتج بها.

أما الروايات عن التابعين، فقد رواها ابن أبي شيبة في مصنفه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي، وَأَنَا أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: ” قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ “.
< قال أبو كندا: لا تصح هذه الرواية، ففي سنده عبد الله بن مسلم بن يسار وهو مجهولٌ >.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، أَوْ «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده عنعنة ابن جريج >.

عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سرين أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا، وَيَقُولُ فِي تَعَوُّذِهِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَحْضُرُونِ».
< قال أبو كندا: الرواية صحيحة، ومع أن رواية محمد بن سرين صحيحة إلا أن قول الرسول ﷺ مقدم على قول التابعي >.


تفسير سورة العلق 1

تفسير سورة العلق 

 ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)

**********

قال أبو كندا : رَوَتْ أُمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنه ، خبرَ مَبْدَإِ الوحي، 

فقَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ .

” حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، 

فَقَالَ : اقْرَأْ، قَالَ : ” مَا أَنَا بِقَارِئٍ “. 

قَالَ : ” فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “. 

فَقَالَ : اقْرَأْ. قَالَ : ” قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ “. 

قَالَ : ” فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “. 

فَقَالَ : اقْرَأْ. فَقُلْتُ : ” مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي “. 

فَقَالَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } . رواه البخاري

إنّ أوّل ما لاح من أنوار النبوّة في قلب النبيّ ﷺ لم يكن فزعًا يزلزل النفس، ولا صوتًا يقرع السمع، بل كان لطفًا ربّانيًّا تسلّل إلى القلب كالنسيم في السحر، فاستقرّت به السكينة، واطمأنّت له النفس.

إذ كان الوحي تمهيدًا رفيقًا، وتدرّجًا حكيمًا من ربّ العالمين، 

مبتدؤه تلطّفًا بعد تلطّف، وتدرّجًا على سَنَن الحكمة، لا يُفاجِئُ بما يَثقل، ولا يُحمِّلُ ما يَشُقّ . حتّى إذا جاء أمرُ اللّه، قام له قيامَ من أُدِّبَ فأحسن الأدب .

فجُعلت الرؤيا الصادقة طلائعَ ذلك النور، تأتي كالصبح، لا لَبْسَ فيها ولا اختلاط.

ثمّ حُبِّبَ إليه الخلاء، وليس كلُّ خلاءٍ يُحمد، فإنّ في الناس من يعتزل عجزًا، أو يفرّ ضيقًا، أو ينقطع وَهَنًا، فيكون انقباضُه ضعفًا، وانفراده خورًا. فأمّا رسولُ اللّه ﷺ فكانت خلوته اختيارَ قادرٍ لا اضطرارَ مُضطرّ، ونظرَ متأمّلٍ لا انكسارَ منخذل؛ اعتزالُ قوّةٍ لا عزلةَ عجز.

حُبِّبَ إليه الخلاء ، وهو التاجرُ الذي لا تقوم تجارته إلا بالمداولة في السوق ، والمخالطة في الاعياد والمناسبات، 

فالتجارةُ سوقُ الرجال، ومِضمارُ العقول، لا تُنال أرباحُها إلا بمقارعة الناس ومقاساة الأحوال؛ فليس لصاحبها أن ينقبض انقباضَ الراهب، ولا أن ينقطع انقطاعَ المُتبتّل، إذ في الانقطاع ذهابُ الربح، وفي العزلة فواتُ الطلب. 

ومع ذلك آثر ﷺ الخلاء، ليَتحنّث، أي ليتنزّه عن أدران القوم، ويجافي ما هم عليه من عبادة الأوثان، وتعظيم النُّصُب، وشهود الأعياد الباطلة، وأكل الذبائح لغير اسم اللّه.

فلم يكن يشهد لهم باطلًا، ولا يُمالئهم على ضلالة، ولا يرضى بشركهم؛ إذ كانت فطرته تأبى ما اعتادوه، وسجيّتُه تنفر ممّا ألفوه. فكانت خلوته تخلّصًا لا تخلّفًا، وتطهّرًا لا تقصيرًا، وكان حياؤه عصمةً له؛ فإنّ الحياء لا يأتي إلا بخير .

فكانت الرؤيا تمهيدًا، وكانت الخلوة إعدادًا، وكان التحنُّث تطهيرًا؛ حتى إذا استتمَّ الصفاء، وأُذن بالنداء، جاءه القولُ الفصل:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.

فكان الابتداءُ قراءةً، والغايةُ هدايةً، وبينهما تاريخُ نورٍ ابتدأ في القلب سرًّا، ثم ظهر في الآفاق جهرًا، فملأ الأرضَ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا .

وبينما الرسولُ ﷺ في خلوته، إذ داهمه أمرٌ لم يخطر له على بالٍ، وأحاط به شعورٌ غريبٌ لم يعهده من قبل، فارتجف فؤادُه، واضطربت نفسُه اضطرابَ الطيرِ المذعورِ.

ولم يكد يستجمعُ ما تفرَّق من شعوره، حتى بدا له الملَكُ، ظاهرًا يملأ النفسَ رهبةً، ويغمر القلبَ جلالًا، كأنما انطبقت عليه هيبةُ السماءِ، وغشيته عظمةٌ لا يُدرِك لها كنهًا، ولا يجدُ منها مهربًا .

ثمَّ انبعثَ صوتٌ جليلٌ واضحٌ، يشقُّ سكونَ المكانِ شقًّا، وينفذُ إلى أعماقِ قلبِهِ نفاذَ النورِ في الظُّلمةِ، لا لَبْسَ فيه ولا خفاءَ، يقولُ له في حزمٍ وجلالٍ: اقرأْ.

وكان ﷺ رجلًا من أهلِ التجارة، لم يألفْ مجالسَ القُصّاص، ولا عهدَ له بحفظِ الأشعار، ولا تدرَّب على تلاوةِ الكتب حتى يَقرأَ عليه؛ فأجاب، من غيرِ تكلُّفٍ ولا مُواربةٍ: «ما أنا بقارئ». فلم يزِدْه الملكُ تأنِّيًا ولا لينًا، بل أخذه فغطَّه حتى بلغ منه الجهد، كأنَّما يُنتَزَعُ من صدره ما ألِفَتِ النفسُ من سكونٍ، ويُفرَغُ فيه ما لم يسبقْ له به عهدٌ، ثم أرسله.

ثمّ قال له: «اقرأ». فكان الجوابُ مثلَ الأوّل: «ما أنا بقارئ». فأخذه الثانيةَ، فبلغ من شدّة الأخذ ما أذهل فكرَه، وأذاب صبرَه، ثمّ أرسله.

ثم قال له ثالثةً: «اقرأ». فقال ما قال أوّلَ مرّةٍ، وقد استبدَّ به الوجلُ، واستولى على قلبه الخشوعُ: «ما أنا بقارئٍ».

فأخذه الثالثةَ، حتى إذا بلغ منه الغايةَ، وأخذ منه الجهدُ كلَّ مأخذٍ، أرسله، وقد تهيَّأ ـ وإن لم يشعر ـ لحملِ أمرٍ عظيمٍ، وسماعِ قولٍ ثقيلٍ . 

هنالك انفسحَ صدرُ النبوّة، وانصدعَ حجابُ الغيب، وتلا عليه الملكُ صدرَ سورةِ العلق، فكانت أوّلَ ما طرق سمعَه من كلامِ الله — جلّت قدرتُه — إيذانًا بأنَّ عهدَ الرسالةِ قد ابتدأ، وأنَّ الأرضَ قد استقبلت يومًا لم تعرفْ له نظيرًا .

ولم يكن تكرارُ الأمر، ولا شدّةُ الأخذاتِ الثلاثِ، من بابِ الامتحانِ المجرّدِ، ولكنّها تهيئةٌ للرّوح، وتمكينٌ للقلب؛ ليعلم أنّ الوحي ليس بخاطرٍ يمرّ، ولا رؤيا تخطر، بل هو عهدٌ يُحمَل، وأمانةٌ تُؤدّى، وثِقْلٌ لا ينهضُ به إلّا من أيّده الله بثباتٍ من عنده .

خرج ﷺ من الغارِ غيرَ الذي دخل؛ دخل مُتَحنِّثًا، وخرج نبيًّا، قارئًا لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهو لا يخطُّ بيده كتابًا، ولا يقرأ في صحيفةٍ حرفًا .

كانتِ القراءةُ عند العربِ الأميِّين حفظَ القصصِ والأشعارِ والأخبارِ في صدورِهم؛ يتوارثُها آخِرُهم عن أوَّلِهم، فتلك قراءتُهم، لا يُودِعونها كتابًا، ولا يُقيِّدونها بقلمٍ.

فكان مبدأُ الأمر : اقرأ.

وكان مطلعُ تاريخٍ جديدٍ للبشرية كلمةً واحدةً: اقرأ.

وكان بدءُ الرسالة: اقرأ .

وكان ابتداءُ الفجر الصادق: اقرأ.

وما يزالُ نورُ تلك الكلمةِ يسري في الآفاقِ، لا يُخطِئُ موضعًا، ولا يَخبو أثرًا.

فتفسير قول الله تعالى 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

قال ابو كندا :

إنَّ قولَ جبريلَ عليهِ السَّلامُ لرسولِنا ﷺ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} يُفْهَمُ منه عدَّةُ أمورٍ:

أوَّلُها: إيذانٌ بانقضاءِ عهدٍ، وابتداءِ عهدٍ، وانتقالٌ به من حالٍ إلى حالٍ، ومن مقامٍ إلى مقامٍ. فقد كان قبلَ ذلك رجلًا يمشي في أسواقِ النَّاسِ، يبيعُ ويبتاعُ، ويُعرَفُ بينهم بالأمانةِ والصِّدقِ. حتَّى إذا جاءه هذا النِّداءُ العُلويُّ، ارتفعَ به عن تلك المواطنِ، ونُقِلَ من لَغَطِ الأسواقِ إلى سكينةِ التَّلقِّي، ومن مخاطبةِ الخَلْقِ إلى مُناجاةِ الحقِّ.

فكان قولُه تعالى: {اقْرَأْ} حدًّا فاصلًا بين حياتين؛ حياةٍ كان فيها محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّاجرَ الأمينَ، وحياةٍ صار فيها محمَّدٌ نبيَّ اللهِ، القارئَ باسمِ ربِّه، والمتلقِّي عنه نورَ الهدايةِ، والحاملَ إلى البشر رسالةَ السَّماءِ.

وثانيها: إعلامُه بأنَّ جبريلَ رسولٌ من عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أُرسِلَ بحملِ كلامِه إليه، وائتُمِنَ على أداءِ وحيِه، وأُذِنَ له أن يقرأَ عليه كلامَ ربِّه؛ ليكونَ السماعُ منه تلقِّيًا عن الله، والبلاغُ عنه بلاغَ أداءٍ لأمرِه تعالى، لا حكايةً عن غيرِه، ولا نقلًا عن سواه.

فكان قوله تعالى: {اقرأ باسم ربِّك الذي خلق} إشارةً إلى أنَّ الذي داهمَه لم يكن طارقَ ليلٍ من الشياطين، ولا هاجسًا من خواطرِ النفس، ولكنَّه مَلَكٌ كريمٌ مُرسَلٌ من عندِ اللهِ العزيز، جاءه يحملُ أمرَه، ويؤدِّي إليه وحيَه؛ فالشيطانُ لا يدعو إلى اسمِ الربِّ، ولا يفتتحُ خطابَه بذكرِ الخالق .

ثالثُها: اصطفاءُ اللهِ محمدًا ﷺ للنبوَّة؛ إذ لم يكن هذا الخطابُ عامًّا للخلقِ، وإنَّما كان خطابًا خاصًّا قصدَ به شخصٌ بعينِه، في لحظةٍ بعينِها، وفي حالٍ لم يُشارِكْه فيها أحدٌ من البشر. وهنا تظهرُ حقيقةٌ لا سبيلَ إلى إنكارِها، وهي أنَّ محمدًا ﷺ قد خُصَّ بشيءٍ لم يُخَصَّ به غيرُه، فدلَّ ذلك على أنَّه المختارُ من بينِ عبادِه للنبوَّة.

وفي هذا التخصيصِ حقيقةُ النبوَّة؛ لأنَّها اختيارٌ إلهيٌّ محضٌ، لا يُنالُ بالسعي، بل يُمنَحُ بالاصطفاءِ. فكان قولُه: {اقرأ باسمِ ربِّك الذي خلق} إعلانًا بأنَّه المختارُ من بينِ عبادِه بالنبوَّة .

رابعُها: فيه دلالةُ فضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ على النبيِّ ﷺ في تدبيرِه وتربيتِه؛ فإنَّه قد نشَّأه على عينِ عنايتِه، وتقلب في ضروبِ لطفِه وإحسانِه. إذ وجده يتيمًا فآواه، فكان له كافلًا وحافظًا، ووجده ضالًّا فهداه؛ أي لا يعرف ما أعدَّه له من أمرِ النبوَّةِ، ولا سُبُلَ الوحي، فدلَّه عليه وأرشده إليه. ووجده عائلًا فأغناه؛ أي ذا فاقةٍ، فأغناه بما ساق إليه من أسبابِ الكفايةِ والقناعةِ، حتى استغنى بالله عمَّن سواه.

فكان قوله: {رَبِّكَ} إعلامًا له بأنَّ الذي ربَّاه صغيرًا، وكفله يتيمًا، وهداه في أوانِ طلبِه، هو الذي يتولَّى تعليمَه، ويُفيض عليه من أنوارِ العلمِ ما تكمل به رسالتُه، وتظهر به حجَّتُه، وتتمُّ به نعمةُ ربِّه عليه .

قال أبو كندا : ومختصر ذلك كله :

إنَّ أوَّلَ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ ﷺ من الوحيِ الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يتحنَّث في غار حراء، يتنزَّه عمَّا عليه قومُه من الشرك، وقد عصمه اللهُ بفطرته، وطهَّره من أدران الجاهليَّة، وأعدَّه لأمرٍ عظيم.

فلمَّا جاءه جبريلُ عليه السلام قال له: ﴿اقْرَأْ﴾، فقال: «ما أنا بقارئ»، فأخذه فغطَّه ثلاثًا، ثم تلا عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فكان ذلك أوَّلَ ما نزل من القرآن، وفيه ابتداءُ نبوَّته ﷺ، وإعلامُه أنَّه رسولُ ربِّه، وأنَّ الذي جاءه ملَكٌ من عند الله، لا شيطانٌ ولا خاطرُ نفس.

وفي قولِه: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إعلامٌ له بربِّه الذي ربَّاه، وكفله، وهداه، وأنَّه يتولَّى تعليمَه، ويُبلِّغُه وحيَه، ويصطفيه لرسالته؛ فانتقل بذلك من حالِ التاجرِ الأمين، إلى مقامِ النبيِّ المرسَل، يتلقَّى عن ربِّه، ويُبلِّغ عن الله، قال عز وجلَّ: {قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ}.

فكانت الرؤيا تمهيدًا، والخلوة إعدادًا، وابتداءُ الوحي إعلامًا بالرسالة، واصطفاءً من الله لنبيِّه ﷺ، وتعليمًا له ليكون هاديًا للخلق، ورحمةً للعالمين

قال ابو كندا واليك معاني الالفاظ التي وردت في السورة على لسان العرب :

{ٱقْرَأْ} من مادّة [ق ر أ]، ومعناه عند العرب مركّبٌ من الضمِّ والإحسانِ؛ لإيجادِ نتيجةٍ .

فإذا قالوا: قرأ الرجلُ، فإنّما يريدونَ أنّه جمعَ الكلماتِ، ثمّ أخرجَها إخراجًا مُحكمًا، لا خللَ فيه ولا فساد؛ لأنّ مجرّد الجمعِ ليس بقراءةٍ حتّى يكونَ معه إقامةُ اللفظِ على وجهه، وإحسانُ أدائه، حتّى يُؤدِّي إلى معنىً يُنتفعُ به.

فإذا قيل: {ٱقْرَأْ}، فإنّما هو أمرٌ له بأن يضمَّ ما يُعلَّم، ويجمعَه في صدرِه، ثمّ يُقيمَه على لسانِه إقامةً حسنةً، حتّى يخرجَ منه كلامٌ تامٌّ يُؤدِّي إلى نتيجةٍ من الفهمِ والعلم.

ومن ذلك قولهم: قَرَى الضيفَ يَقْرِيه قِرىً، فإنّما معناه أنّه ضمَّ إليه ما يُصلحه من الطعامِ، وجمعَ له ما ينتفعُ به، ثمّ أحسنَ القيامَ عليه حتّى يؤدِّي حقَّه.

ومن ذلك أيضًا القَرْيَةُ، وإنّما سُمِّيَت قريةً لأنّها مَوضعٌ قد ضُمَّ بعضُ بنائِه إلى بعضٍ، وجُمِعَ أهلُه فيه، فصاروا مجتمعينَ بعد تفرّقٍ؛ فليست القريةُ إلّا موضعَ جمعٍ وضمٍّ، ضُمَّت فيه الدُّورُ، وجُمِعَ فيه الناسُ، فاستقامَ به الأمان .

ومن ذلك قولُهم: القُروء، وهي أوقاتُ ضمِّ الدمِ الفاسدِ واجتماعِه في جسدِ المرأةِ، ثمّ خروجِه في حينٍ معلومٍ؛ فكان ضمُّه جمعًا، وخروجُه إحسانًا إلى الجسدِ وصلاحًا له، إذ به تزولُ الأذى وتستقيمُ الحالُ.

{ بِٱسۡمِ } ولفظ [ اسم ] من مادة [ س، م، و ] ومعناه عند العرب مركب من العلو والظل .

فإنَّ العربَ تُسمِّي ما علا فأظلَّ سماءً، كالغمامِ والسَّقفِ ونحوِهما، فصارَ الاسمُ عندهم كالسماءِ للمسمَّى، يُظلُّه بالبيانِ، ويُظهِرُه للدلالةِ، فيُعرَفُ به بعد أن لم يكن يُعرَفُ، ويتميَّزُ به بعد أن كان مُبهَماً .

{رَبِّكَ}: لفظُ «رَبٍّ» من مادّة «ر، ب، ب»، ومعناه عند العرب: السيِّدُ المطاعُ، القائمُ على النَّماء والإصلاح. ولا يُقال ذلك مُطلقًا إلا لِمَنْ جَمَع هذه المعاني.

فإذا قيل: «رَبُّكَ»، فالمعنى: سيِّدُكَ الذي له عليك الطاعةُ، والقائمُ بأمرك، والمُصلِحُ لشأنك، والمُنَمِّي لك من حالٍ إلى حالٍ، حتى يُبلِّغَكَ تمامَ ما قُدِّرَ لك .

[الذي] هكذا هو عند العرب، ويُستعمَلُ لتبيينِ الصِّفةِ أو الموصوفِ. واعلم أنَّ [الذي] من الأسماءِ الموصولةِ، وهو اسمٌ مُبهَمٌ لا يُعرَفُ المرادُ به حتى تُذكَرَ صِلَتُه؛ فبها يتبيَّنُ الموصوفُ إن خَفِيَ، وتتجلَّى الصِّفةُ إن أُجْمِلَتْ. وإنما سُمِّيَ مُبهَمًا لِما فيه من الافتقارِ إلى ما بعده؛ إذِ الصِّلةُ كالمفتاحِ لمعناه، وبها ينكشفُ المقصودُ من الخطابِ، ويستبينُ وجهُ الكلام .

فإذا قلتَ: جاء الذي أكرمتُه، لم يُعلَم المرادُ بـ الذي حتى قلتَ: أكرمتُه، فكانت هذه الصِّلةُ بيانًا له، وعُرِفَ بها المقصود. فصار الذي مع صِلَتِه كالشَّيء الواحد، لا يُفصَل بعضُه عن بعضٍ في المعنى .

[خَلَقَ] : ولفظُ [خ، ل، ق] عندَ العربِ يعني تصيير بتقديرٍ، وترتيبٍ، ومراحلَ؛ فلا يكونُ جزافًا، ولكن بعلمٍ سابقٍ، وقصدٍ واقعٍ، حتى يتمَّ الخَلْقُ ويستبينَ.

فلا يريدونَ به الإحداثَ بغتةً من غيرِ تقديرٍ، ولكنَّه عندهم إيقاعُ الشيءِ على صفةٍ معلومةٍ، بعدَ تقديرٍ له في النفسِ، وترتيبٍ لأجزائهِ، وإنزالٍ له من حالٍ إلى حالٍ، حتى يستويَ على الوجهِ الذي أُريدَ له.

فكانوا إذا قالوا: خَلَقَ الرجلُ الأديمَ، فإنما يعنونَ أنه قدَّرَ قطعَه، وهيَّأ مواضعَه، ثم شقَّه على مقدارٍ، ثم سوَّاه حتى صارَ قِرْبةً أو نعلًا. ولم يكونوا يرونَ أنَّ ذلك يكونُ دفعةً واحدةً، ولكن مرحلةً بعدَ مرحلةٍ، وصنعةً بعدَ صَنْعةٍ.

والله أعلم

النهي عن قراءة القران في اقل من ثلاث

إذا قام الواعظُ بعد الصلاة في رمضان، وحثَّ على ختم القرآن في يوم، ثم قال: كان بعضهم يقرأُ القرآنَ كلَّه في ركعةٍ، فمد رجليك وقل المثل المشهور

[ قه قه من قلب لا يفقه ] 

فإذا فرغ من موعظته، ذكره – بينك وبينه – بحديث الرسول ﷺ ” لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ “. 

فإن قال لكن هذه الايام والليالي في رمضان اوقات فضيلة فلابد ان نستغلها ونزداد في الطاعات ونحثهم على ختم القران في ليلة.

فقل [ قه قه من قلب لا يفقه ]- طبعا في نفسك –

ثم ذكره بهدوء انه اذا فعل ذلك وختم القران في ليلة فقد خالف الرسول ﷺ .

واخبره بقول ابن مسعود رضي الله عنه قال : ” اقرؤوا القرآن في سبع ، ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث ” .

واستشهد بقول ابن مسعود رضي الله عنه المشهور [ هذا كهذ الشعر ] عندما قالها لرجل قال له إني قرأت المفصل في ركعة .

وذكره أن معاذ بن جبل حامل لواء العلم يوم القيامة كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث .

واعرض عليه قول عائشة رضي الله عنها عندما ذُكرَ لَهَا أَنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي اللَّيْلَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَتْ : أُولَئِكَ قَرَءُوا وَلَمْ يَقْرَءُوا .أ،هـ

أي [ قه قه من قلب لا يفقه]

فإن رفع صوته وقال أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ختم القران في ركعة .

فسأله حتى ينحرج ويخفض صوته ، ما مصدرك .

وحتما لن يعرف لأن مثل هؤلاء يكررون ما يسمعون دون ان يفهموا ما يقولوا .

أي [ قه قه من قلب لا يفقه ]

ثم اذكر له ان هذه الرواية رواها عبد الرزاق وابن ابي شيبة في مصنفيهما ، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: قمت خلف المقام أصلي وأنا أريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فإذا رجل من خلفي يغمزني، وفي رواية عبدالرزاق -[ إِذَا رَجُلٌ يَزْحَمُنِي مُتَقَنِّعًا ]، فلم ألتفت إليه، ثم غمزني فالتفت فإذا هو عثمان بن عفان، فتنحيت وتقدم (فقرأ) القرآن كله في ركعة ثم انصرف .

ثم قل بالله عليك هل تتوقع أن عثمان بن عفان يقصد مخالفة الرسول ﷺ ؟

والله لو علم عثمان بنهي الرسول ﷺ لما فعل ذلك ، إن ثبت أنه فعل ذلك.

ثم بالله عليك تأمل القصة واقرأها مرة أخرى ، هل تتوقع من عثمان الذي تستحي الملائكة منه ويستحي الرسول ﷺ منه لحياءه أن يزاحم الناس ؟!!!!

هل انت مقتنع بأن عثمان الحيي يغمز أحدا ليزيحه من مكانه ويأخذه منه.

ثم كيف عرف انه ختم القران في ركعة ؟!!!

ولما لم يصلي إلا ركعة واحدة؟!!

هل تتوقعون من عثمان الحيي وهو يصلي منفردا ان يرفع صوته حتى يسمعه الناس؟!!!

لما لم يصلي معه المتعمقون جماعة ، فقد كان الناس يصلون مكة جماعات وفرادا ؟!!!!

وفي الختام اليكم هذا الحديث وتأملوا ما فعل الرسول ﷺ 

عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي جَمِيعًا، فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ أَيْدِينَا بِرَجُلٍ يُصَلِّي، يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” أَتُرَاهُ يُرَائِي ؟ 

” فَقُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، 

فَتَرَكَ يَدِي مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُصَوِّبُهُمَا وَيَرْفَعُهُمَا، 

وَيَقُولُ : ” عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا ، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ “. < قال أبو كندا: الحديث حجة > 

فلا تتشددوا ويسروا وسددوا واستعينوا بالله

كتبه 

ماجد بن محمد العريفي

13-2-2026

الزكاة من اركانها اعطاءها لولي الامر

تتجدَّد مسألةُ الزكاة عند دخول شهر رمضان، فتكثر فيها المراجعات، وتتنوَّع الأسئلة: لمن تُدفع؟ وأين تُصرف؟ ومن أحقُّ بها؟ وكلُّ ذلك رغبةً في براءة الذمَّة، وابتغاءَ القبول عند الله، واحتياطًا للدين، ألَّا يُؤخذ منه شيءٌ على وجه الغلط أو الهوى.

ولو علم السائلون أنَّ من تمام الزكاة، بل من واجبات إقامتها، أن تُؤدَّى إلى وليِّ الأمر، إذ هو القائم بأمر المسلمين، والمتولِّي جمعها ووضعها في مصارفها الثمانية التي شرعها الله، لانقطع عنهم كثيرٌ من هذا التردُّد والاختلاف.

فأمَّا المكلَّف، ففرضُه الإيتاء لا القِسمة، والأداء لا التدبير؛ فإذا أدَّى الزكاة إلى إمام المسلمين، فقد استوفى ما عليه، وبرئت ذمَّتُه عند الله، وانتقل الحقُّ — أعني عبءَ التوزيع — من عنقه إلى عنق وليِّ الأمر.

قال أبو كندا: الدليلُ الأوَّل على ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.

فدلَّ لفظُ «خُذْ» على أنَّ الأخذ لا يكون إلا ممَّن ثبتت له يدُ الأمر، وقامت له صفةُ الإمامة، وكان قولُه مسموعًا، وأمرُه مطاعًا؛ وذلك رسولُ الله ﷺ ابتداءً، ثمَّ من قام مقامه من ولاة أمور المسلمين، إذ لا فرق في المعنى، ولا انفصال في الحكم، لاتِّصال الولاية واتِّحاد العلَّة.

قال الواحدي في تفسير هذه الآية: «والإمامُ أولى بأن يتولَّى أخذَ الصدقات». اهـ.

قال أبو كندا: والدليلُ الآخر على أنَّ الزكاة يأخذها وليُّ أمر المسلمين ما رواه البخاري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، وممَّا قال له: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم».

وفي رواية: «فإذا أطاعوا بها، فخُذْ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس».

وذلك أنَّ النبي ﷺ لمَّا قال: «تُؤخذ من أغنيائهم»، وقوله: «فخُذْ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس»، لم يذكر الأخذ ذكرًا مطلقًا، ولا أرسله إرسالًا مهمَلًا، بل قيَّده بصفةٍ تُشعر بالسلطان، وتدلُّ على الولاية؛ إذ ليس كلُّ آخذٍ آخذًا، ولا كلُّ تناولٍ يُسمَّى أخذًا في لسان العرب. فإنَّ الأخذ إنَّما يكون لمن له يدٌ نافذة، وأمرٌ مطاع، وحكمٌ جارٍ، لا لمن يستعطي أو يقبل ما يُعطى.

فلمَّا وصف الزكاة بأنَّها مأخوذة، دلَّ ذلك على أنَّ لها آخذًا موصوفًا بالقهر الشرعي لا بالاختيار، وبالاستيفاء لا بالمسألة، وبالولاية لا بالتراضي.

ولذلك قال ﷺ: «وتوقَّ كرائم أموال الناس»؛ ولو كان الأخذ موكولًا إلى آحاد الناس، لما كان للتوقِّي معنى؛ لأنَّ من لا سلطان له لا يُخشى عسفُه، ولا يُتصوَّر منه إجحاف.

ولكنَّما خيف عليه لأنَّه وليُّ أمر؛ والوليُّ إذا أخذ، نفذ أخذُه، وإذا جار، لم يُدفع جورُه إلا بعسر.

وهذا الوصف ينفي أن تكون الزكاة أمرًا مفوَّضًا إلى هوى المزكِّي، يضعها حيث شاء، ويصرفها كيف أحبَّ؛ إذ لو كان ذلك كذلك، لقيل: تُعطى من أغنيائهم، أو تُبذل من أموالهم، ولم يُقَل: تُؤخذ.

فكلُّ قولٍ يذهب إلى إسقاط يد الإمام، أو إلى جعل الزكاة صدقةً محضةً لا تعلُّق للسلطان بها، فقد ناقض هذا الوصف، وخالف دلالة اللفظ، وردَّ الحديث من حيث لا يشعر؛ لأنَّ الحديث، بحدوده وأوصافه، قد أحاط بالمعنى إحاطةَ السوار بالمعصم، فلا يقبل زيادةً تُفسده، ولا نقصانًا يُخلُّه.

وهذا من بديع البيان النبوي، إذ أُوتي ﷺ جوامع الكلم، فجعل اللفظة الواحدة قائمةً مقام الفصول الكثيرة، والدلائل المتفرِّقة؛ فكانت كلمة «تُؤخذ» وحدها كافيةً في إثبات الوجوب، وتعيين الجهة، وردِّ الخلاف.

قال ابن دقيق العيد: «وقد يُستدلُّ به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام؛ لأنَّه وصف الزكاة بكونها مأخوذةً من الأغنياء، فكلُّ ما اقتضى خلاف هذه الصفة، فالحديث ينفيه».

قال أبو كندا: والدليلُ الثالث على وجوب إيتاء الزكاة إلى وليِّ أمر المسلمين ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمَّا تُوفِّي رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تُقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم منِّي مالَه ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله»؟

فقال: «والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعها».

قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنَّه الحق.

فتأمَّل — رعاك الله — قول أبي بكر رضي الله عنه: «والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعها».

أما سألت نفسك: لِمَ لم يقل أبو بكر رضي الله عنه: اجعلوا زكاتكم بينكم، ولا تؤدُّوها إليَّ، واكفونا القتال، وادفعوا عن أنفسكم السبي والقتل؟

ولا سيَّما أنَّ قتالهم إنَّما وقع بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى جوار ربِّه، وأكثر الصحابة يومئذٍ مع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه، والدولة حديثة العهد بالمصيبة، مضطربة الأركان، لم تُحكِم بعدُ عُرى السياسة، ولا استقام لها الأمر.

ثمَّ إنَّ طائفةً من الصحابة رضي الله عنهم كانت ترى الكفَّ عن قتالهم، لاستظهارهم بشهادة أن لا إله إلا الله، محتجِّين بما صحَّ عن النبي ﷺ.

أما تساءلت: لِمَ اختار أبو بكر رضي الله عنه أشقَّ الأمور، وأصرَّ على قتالهم؟

أَلأنَّهم خرجوا عليه بمنعهم الزكاة؟ أم لأنَّ تأدية الزكاة إلى الوالي ركنٌ في الزكاة؟

وكلا الجوابين يُلزم القول بوجوب تأدية الزكاة إلى وليِّ الأمر، وبوجوب أخذ وليِّ الأمر لها.

قال ابن كثير: «أمر الله تعالى رسولَه ﷺ أن يأخذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتُزكِّيهم بها… ولهذا قاتلهم الصديق وسائر الصحابة حتى أدَّوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ». اهـ.

قال أبو كندا: والدليلُ الرابع على أنَّ وليَّ أمر المسلمين هو الواسطة بين الزكاة ومصارفها أنَّ الله تعالى قال: ﴿وآتوا الزكاة﴾، ولم يقل: أعطوا؛ لأنَّ الإعطاء يكون مباشرًا يدًا بيد، وأمَّا الإيتاء فهو إيصالٌ بتدرُّج.

فدلَّ ذلك على أنَّ تصرُّف العرب في أصل «أتى» لا يقتضي المباشرة، وإنَّما يدلُّ على التدرُّج في الإيصال.

وممَّا يدلُّ على أهميَّة تأدية الزكاة إلى وليِّ الأمر أنَّ الله تعالى جعل من مصارف الزكاة: ﴿والعاملين عليها﴾؛ ولو كانت الزكاة تُؤدَّى بلا سلطانٍ يجبي، ولا إمامٍ يرتِّب، لما كان للعامل معنى، ولا لذكره فائدة.

وفي ختام القول، أرى — والرأي مشفوع بالأثر — أن يجعل الإمام للزكاة شهرًا معلومًا، تُجمع فيه الأموال، وتُستخرج منه الحقوق، كما روى مالك في الموطأ بسنده أنَّ عثمان بن عفَّان رضي الله عنه كان يقول: «هذا شهر زكاتكم؛ فمن كان عليه دين، فليؤدِّ دينه حتى تحصل أموالكم، فتؤدُّون منها الزكاة».

وفي ذلك إحكام للأموال، وبراءة للذمم، وحسن سياسة للرعية .

كتبه
ماجد بن محمد العريفي
20-2-2026

شهر رمضان والصيام

لما ارتفعت نبرة الغضب، وهاجت النفوس عقب آخر مقال نشر، رأيت الامساك أولى، والكف أحزم، فآثرت أن أضع القلم عن سائر المقالات التي كانت مهيأة للإرسال تتمة للكلام في صلاة التراويح، إذ ليس كل حق يقال، ولا كل وقت يصلح لبسط الحجة واظهار البيان.

فمن خاف من الجمهور سلم،
فما حيلة المضطر الا ركوبها،

ولعلي، ان مد الله في الاجل وبلغنا قابل العام، اعود الى اتمامها، رجاء ان تقع تلك المقالات موقع القبول من قلب قد لان، ونفس قد هدأت، فتكون توطئة لقبول فعل رسول الله ﷺ، وان خالف ما استقر من عادات الاباء .


قال رسولُ الله ﷺ:
«إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ».

فيا باغيَ الخيرِ أبشِرْ، ويا باغيَ الشرِّ أَقْصِرْ.

وقال رسولُ الله ﷺ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

أتدري ما معنى «إيمانًا واحتسابًا»؟

قال أبو كِندا: معنى «إيمانًا» خوفًا من الله، وخشيةً له، فتفرّ إليه لا منه، وتطلب الأمان في حماه ، بالصيام والقيام.
كما قال أبو القاسم الحكيم: «مَن خاف شيئًا هرب منه، ومَن خاف الله هرب إليه».
وقال سهل التستري: «مَن خاف الله أمَّنه الله».

ولذلك قال رسولُ الله ﷺ:
«الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ ؛ فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ». < قال أبو كندا: الحديث حجة >

أي: إنّ الصيامَ ستر ووقاية للعبد ، لا تُدركه الأبصار، ولا يطّلع عليه الخلق، فإذا صام العبدُ كان في أمانِ الله وجواره، بشرط ألّا يرفث ولا يجهل؛ فإن شُوتِم أو قوتِل قال: «إنّي صائم»؛ لا فخرا ولا دعوى، ولكن إعلامًا، وتنبيهًا، وإنذارًا لمن شاتمه أنّه قد دخل في حِمى الله، ولزم جواره، واستظلّ بستره، فمن أراده بسوء فقد تعرّض لحِمى الله، وهتك جواره.
فإن تمادى الشاتم، فدَعِ الأمرَ إلى الله، فإنّه خيرُ حافظٍ، وخيرُ من يستجار به.

ولا يقلْ : «اللهم إنّي صائم»، إذ ليس المخاطَبُ ربَّ العالمين، وإنّما المخاطَبُ من شاتمه أو قاتله ، وقد أعذر من أنذر .

فأمّا إذا رفثَ وجهلَ، فقد خلع عن نفسه جُنّة الصيام، ولا أمانَ له عند الله، ولو صام الدهرَ كلَّه.

قال رسولُ الله ﷺ:
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

قال أبو كندا : قد زعم قومٌ من أهل العلم أنّه سترٌ من المعاصي وجُنّةٌ من الآثام، وجعلوه حجابًا بين العبد وبين الفواحش والآثام. وليس عندي هذا القول بمستقيم، ولا ذلك الرأي بسديد.
ولو كان الأمرُ على ما ادّعَوا، وأنّه عصمةٌ لازمة، وحرزٌ لا يُنقَض، لما اشترط ” فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ ” إذ الاشتراط إنّما يكون حيث يُتوهَّم الوقوع، ويُخاف الانحراف، ويُرجى الامتناع بالمنع. فأمّا ما كان ممتنعًا بذاته، ومحفوظًا بطبيعته، فلا معنى للاشتراط فيه، ولا وجه للتكليف به.

قال أبو كندا؛ وأمّا قوله: «احتسابًا» فمعناه: رجاءُ ما عند الله من الأجر؛ فتصوم وتقوم تطلب الأجر منه لا من غيره، وتقصد وجهه لا سواه، وتحتسب عملك عليه لا على خلقه؛ إذ الحسابُ من الكريم كرامةٌ، ومحاسبته إحسانٌ، ومجازاته فضلٌ، وعطاؤه جود وإحسان.

حتى إنّك لتفرحُ فرحًا عظيمًا إذا لقيتَ الكريمَ، فرحَ العارف بكرمه، الواثق بفضله، الطامع في عطائه،

لقول رسوله ﷺ فيما يرويه عنه :
«قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ ؛ فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». < قال أبو كندا: الحديث حجة >

أتدري أنّ أجرَ الصيام ليس على حدِّ السبعِ مئةِ ضعف، بل هو فوق ذلك، لا يُحاط به عدد، ولا يُحدّ له أمد؛ لأنّه عملٌ خُصَّ به العبدُ ربَّه، فكان جزاؤه من فضل الله لا من عدل الحساب.

لذلك قال رسولُ الله ﷺ:
«لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ».

فإيّاكم — رحمكم الله — أن يخرجَ شهرُ رمضان ، وقد خرجتم منه صفرَ اليدين، لا إيمانًا حُصِّل، ولا احتسابًا وُجِد.
فتكونوا كما قال رسولُ الله ﷺ:
«كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ».

كتبه
ماجد بن محمد العريفي
6-2-2026

المجلس الثالث: في قراءة سنن أبي داود -رحمه الله تعالي- 3-12

‏( 01:47:22 )

‏550-حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : حَافِظُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ بَيِّنُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ، وَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ لَكَفَرْتُمْ.

‏قال الشيخ:
‏قوله “عن الْمَسْعُودِيِّ ” هذه النسبة لجماعة من الرواة وهي عند الاطلاق لواحد منهم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي الكوفي.
‏وقوله في الحديث “ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لَكَفَرْتُمْ السنة “،هنا يعني الدين.
‏فإن السنة تقع بمعنى الدين كله.

*
‏( 01:48:20 )
‏551- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ ، عَنْ مَغْرَاءَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ “. قَالُوا : وَمَا الْعُذْرُ ؟ قَالَ : ” خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ ؛ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى “.
‏قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى عَنْ مَغْرَاءَ أَبُو إِسْحَاقَ.

‏قال الشيخ:
‏قوله عن ” مَغْرَاءَ الْعَبْدِيِّ ” ، هذا الاسم مَغْرَاءَ عند الستة في رواتهم لواحد ، هو مَغْرَاءَ الْعَبْدِيِّ فلا يعرف وبهذا الاسمي سواه.


‏( 01:49:34 )
‏بَابٌ : فِي فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ

‏554- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَصِيرٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَالَ : ” أَشَاهِدٌ فُلَانٌ ؟ “. قَالُوا : لَا. قَالَ : ” أَشَاهِدٌ فُلَانٌ ؟ “. قَالُوا : لَا. قَالَ : ” إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى “.

‏قال الشيخ :
‏قوله ” باب في فضل ” ، هذه الترجمة من أمهات التراجم عند المصنف، ذكرها في سبع عشرة ترجمة، ووقع في ست تراجم عنده ” قوله باب فضل” ، فمن مقاصد المصنف في جمع كتابه بيان فضائل الاعمال التي أشار لها بهذه الترجمة، “باب في فضل ” تارة وبقوله “باب فضل ” تارة أخرى.

*^^^^
‏( 01:50:56 )
‏بَابٌ : مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ
‏556- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : ” الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا “.

‏قال الشيخ:
‏قوله ” عن ابن أبي ذئب” ، هذه الكنية عندهم لراو واحد، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني.

اقوال السلف في بدعة التراويح مع الجماعة

قال أبو كندا : لمّا تبيَّن لي أنّ في الناس من لا تتحرّك نفسُه لحديث رسولِ الله ﷺ، ولا يستيقظ قلبُه لفعله وتقريره، حتّى إذا جاءه الحقُّ مجرَّدًا أعرض عنه، وإذا أُسنِد إلى من تقدَّم من السَّلف قبِله، وصارت الحجّة عنده معلَّقةً بأسماء الرجال لا بكلام الرسول ﷺ؛
وجدتُني – على كراهةٍ منّي لذلك، ومباعدةٍ له عن طبعي – أذكر شيئًا من أقوالهم، لا اعتقادًا أنّها أقوى حجّةً من كلام النبي ﷺ، ولكن مراعاةً لعقولٍ لا تألف الحقَّ إلّا إذا جاءها في ثوب المألوف، ولا تسكن إلى الدليل حتّى يُعرَض عليها مشفوعًا بما ورثت عن الآباء.

هاكم يا من يهمه أقوال السلف وأعمالهم :

1- وروى مالك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ : يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. < قال أبو كندا الرواية صحيحة >

فانظروا، رحمكم الله، إلى فعلِ عمرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه، نظرَ متأمِّلٍ لا نظرَ مُقلِّد؛ فإنّه لمّا رأى اختلافَ الناس في القراءة، وخاف ما يخافه الأئمّة من تفرُّق الكلمة، أشار بجمعهم على قارئٍ واحدٍ، دفعًا للفتنة، وسدًّا لباب التنازع.

ثمّ لم يُخفِ ما أحدث، ولا لبَّسه اسمًا غير اسمه، بل سمّاه بدعةً صريحًا، وأجرى اللفظ على معناه. ثمّ ترك صلاة القيام معهم كل ليلة، فكان تركُه أبلغَ في الدلالة من فعله، وصمتُه أنطقَ بالحجّة عند من عقل.

فكيف يُجعل حجّةً ما سمّاه صاحبه بدعةً، ولم يلتزمه، بل خالفه بعمله، وصرّح بأنّ غيرَها أفضلُ وأولى.

2- وروى ابن أبي شيبة عن طاوس قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: دعاني عمر – رضي الله عنه- لأتغدى عنده – فسمع هيعة الناس حين خرجوا من المسجد قال: ما هي؟ قال: هيعة الناس حيث خرجوا من المسجد قال: ما بقي من الليل خير مما ذهب منه . < قال أبو كندا الرواية صحيحة >
قال أبو كندا : ومعنى [ لأتغدى ] اي العَشاء بعد صلاة العِشاء.
وها هنا إشارةٌ بيِّنةٌ إلى أنّ عمرَ وابنَ عبّاسٍ رضي الله عنهما، كانا يَرَيان قيامَ الليل في البيوت، كما أمر رسولُ الله ﷺ، لا في جماعةٍ بعد صلاةِ العِشاء.

فإن قيل: قد اجتمع الناس، قلنا: قد اجتمعوا على غير سنّة. وإن قيل: قد استحسنها عمر، قلنا: بل سمّاها بدعةً، وفرّق بين الرخصة والسياسة، وبين التعبّد والاضطرار.
وإن قيل: هي من عمل السلف، قلنا: السلف تركوها، ونصُّوا على ذلك بألسنتهم.

3- روى ابن ابي شيبة عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُومُ مَعَ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ» < قال أبو كند الرواية صحيحة >

4- وروى ابن ابي شيبة عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه أَقُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ:«تُنْصِتُ كَأَنَّكَ حِمَارٌ» < قال أبو كندا الرواية صحيحة >.
اعذروا ابنَ عمر رضي الله عنه ، فما اندفعت كلمته إلا اندفاع القلب إذا اشتعلت فيه نار الغَيرة للدين، ولا انبعثت إلا من نفسٍ رأت البدعة تُزاحم السُّنّة، فهاجت لها كما يهيج الأسد إذا انتهك حِماه.
وما كان ذلك عن طيش رأي، ولا عن فساد طويّة، ولكنها حدّة الإيمان إذا مُسَّ، وسَوْرة الغَيرة إذا أُوذيت، ونفورُ النفس الصادقة ممّا أُحدِث في دين الله وليس منه.

5- وروى مالك عن عروة أن ذكوان أبا عمرو وكان عبدا لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كان يقوم يقرأ لها في رمضان. < قال أبو كندا الرواية صحيحة >

عائشةُ زوجُ النبيّ ﷺ، دارُها لاصقةٌ بالمسجد، الجدارُ بالجدار، ومع ذلك تجعل عبدَها يؤمّها في بيتها، وتدع قيامَ الليل مع الجماعة في المسجد .

فإذا كان عمرُ وابنُ عبّاس وابنُ عمر وعائشة رضي الله عنهم قد تركوا قيامَ رمضان جماعة في المسجد، وهم أئمّةُ الهدى، فكيف يُستنكر اليوم على من اقتدى بهم.

ثم تتابعت الآثار عن أئمة التابعين وأهل الفتيا على هذا المعنى – واسمحولي أن اذكرها دون تعليق حتى لا تملوا:

6- وروى ابن أبي شيبة عن نافع قال «وَكَانَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ» < قال أبو كند الرواية صحيحة >

7- وروى الطحاوي عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ,قَالَ: «رَأَيْتُ الْقَاسِمَ , وَسَالِمًا , وَنَافِعًا يَنْصَرِفُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ , وَلَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ»

8- وروى الطحاوي في شرح معاني الاثار عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ , ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ , فَلَا يَقُومُ مَعَ النَّاسِ».

9- وروى ابن ابي شيبة عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي ،قَالَ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِي إِلَّا سُورَةٌ أَوْ سُورَتَانِ لَأَنْ أُرَدِّدَهُمَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ».

10- وروى عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَؤُمُّهُمْ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا يَؤُمُّهُمْ فِي صَلَاةِ رَمَضَانَ»وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ.

11- وروى ايضا عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلْقَمَةُ لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ»

12- وروى ابن أبي شيبة عن عُمَر بْن عُثْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ يَجِيءُ رَمَضَانُ، أَوْ يَحْضُرُ رَمَضَانُ، فَيَقُومُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ فَمَا تَرَى أَقُومُ مَعَ النَّاسِ أَوْ أُصَلِّي أَنَا لِنَفْسِي؟ قَالَ:«تَكُونُ أَنْتَ تَفُوهُ الْقُرْآنَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُفَاهَ عَلَيْكَ بِهِ» .

13- وقال مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وأنا أفعل ذلك.

14- وقال الشافعي: فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه “.

15- وقال أبو أمامة الباهلي: ” ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها “،ثم قرأ: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} إلى آخر الآية.

قال أبو كندا: لا أُوافِقُ أبا أُمامةَ على الاستمرار عليه؛ لأنّ ذلك يُعَدُّ في الشرع إِصرًا، والإِصرُ كان لازمًا في شرائع الأمم السالفة، وقد عُفِيَ عنه في شريعةِ محمّدٍ ﷺ، كما قال تعالى
[ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ]

كل هؤلاء – رحمكم الله – ليسوا من عامّة الناس، ولا من غوغائهم، بل هم من أئمّة الفتيا في بلدانهم، ومفاتيح العلم بها.
وكلهم تركوا البدعة والتزموا بسنة الرسول ﷺ .

ولهذا كلِّه أقول: إنَّ صلاةَ التراويحِ مع الجماعة بدعةٌ أُحدِثت، ليُكفَّ بها الناسُ شرَّ المتعمِّقين، فلا تُتَّبع على جهة السُّنَّة ولا تُلزَم لزومَ العبادة، إلا في ليالٍ معدوداتٍ من الشهر: ليلةِ ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين. كما في حديث أبي ذر والنعمان بن بشير رضي الله عنهما.
ففيها تُجمَعُ النساءُ والأهل، ويُقصَدُ المسجدُ قصدَ الطالبِ للغنيمة، ورجاءَ فضلِ ليلةِ القدر، وابتغاءَ إصابةِ هديِ الرسول ﷺ واتباعِ أثره، لا تعصُّباً لعادة، ولا إلفاً لهيئة، ولكن طلباً للفضل حيث وُضِع، واقتفاءً للسُّنَّة حيث ثَبَتَت.

كتبها
ماجد بن محمد العريفي
30-1-2026

المتعمقون

كعادتي التي لا أكادُ أُقلِعُ عنها ، 

أقيمُ في ظلالِ حديثِ رسولِ الله ﷺ، أُقَلِّبُ ألفاظَه، وأتتبّعُ أسانيدَه، وأستنطقُ معانيَه. 

وكعادتي،

 أظنّ أنّي سأزعجُ بعضكم بهذه الرسالة، لا لفسادٍ فيها، ولكن لضيقِ صدورِهم عمّا لا يألفون.

وكعادة بعضِكم ،

يبعث إليّ بحروفٍ لو كانت سكاكينَ لكانت أهون، إذ هي حروفٌ تَكْلُمُ القلوبَ فهي أذىً لا يُرى، وجرحٌ لا يُداوى، وسهامٌ إن أخطأتِ القلب أصابتِ النفس.

وعلى غير عادتي اعترف لكم اليوم ، 

كنتُ، فيما سلف من أيامي، إذا ظفرتُ بحديثٍ صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ فرحتُ به فرح الفقير اذا وجد كنزًا دفينًا، فأبادر إلى نشره بين الناس، كأني أُقسم عليهم ميراثًا لا ينفد، وأهبهم درًّا لا يَبلى. 

أما اليوم، فقد تبدّل حالي، وصار الفرح قلقًا، والأنس وجلاً؛ 

فإذا وقفتُ على حديثٍ ثابتٍ قد طواه الناس إهمالًا، أو عرفوه ثم أعرضوا عنه تهاونًا، تردّدتُ أأقوله فأُتَّهَم؟ أم أكتُمُه فأقصر؟ أأنصر الحديث فأُحاصَر؟ أم أساير الجمهور فأسلم من أذاهم؟ 

إن تحسست جراحي التي لم تشفى بعدُ، 

فضلت السلامة ، 

وان تذكرت حديث رسول الله ﷺ ” ما مِن مَكْلُومٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللَّهِ إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ وكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ “. تشجعت .

وهي معركة خفيّة، لا يُسمَع لها صليل، ولا يُرى لها غبار، غير أنّها تستنزف الروح .

علمتني الأيام – يا كرام – ،

أن الحقيقة لا تُستقبل دائمًا بالتصفيق، 

وأن الحديث الصحيح قد يكون أثقل على الأسماع من الحديث الضعيف، ما دام الضعيف يوافق الهوى، والصحيح يربك المألوف.

فانتهى بي الحالُ إلى أن أخافَ سطوةَ الجمهور أكثرَ من هيبةِ الإمام؛ 

نعم، أعترفُ بذلك.

فالإمامُ — وإن اشتدَّ — هو عاقلٌ يعرف موضعَ الحُجّة، وعادلٌ يزن القولَ بميزانه.

وأمّا الجمهورُ فسلطانٌ لا عقلَ له؛ يُحاكِمُك في كلّ يوم، ويُعيد فتحَ القضيّة مع كلّ لفظة، ويقضي بلا بيّنة، ويُنفِّذ بلا استئناف؛ فيهم الجاهلُ الذي لا يعلم، والمتعصِّبُ الذي لا يفهم، والعامّيُّ الذي لا يُفرِّق، والأحمقُ الذي لا يعقل؛ فإذا اجتمع هؤلاء على رجلٍ، فكبِّر عليه أربعًا، 

حتى وإن رأيتَه حيَّ الجسد، 

فاعلم أن روحَه قد شُيِّعت إلى قبرٍ موحشٍ في زاوية غرفته، تراه منزويا فيها لا جليسَ له فيه ولا أنيس، إلا القرآن والحديث.

وحاله كحال من يقول

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذْ عوى

‏وصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

تبا للجمهور أشرسُ الوحوش فتكًا على الأرض .

نعود الى عادتنا في طرح المسائل والعود أحمد .

قال أبو كندا:

روى أحمد والبخاري في صحيحه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ : ” مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. < قال أبو كندا: الحديث حجة > 

الخبر ثابت وحجة ، والكلام واضح وضوح الشمس للاعمى والبصير.

قال الرسول ﷺ :

” فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

قال ” أيها الناس ” ولم يقل أيها الرجال ، أو أيها النساء ، ويفهم من هذا أن المقصود الرجال والنساء.

والرسول ﷺ كما تعلمون ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

اعتقد أني فاجئتكم بهذه المعلومة الأخيرة.

لذا دعونا نتأمل الحديث :

لمّا اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد في ليالي رمضان ، اتخذ حُجرةً في المسجد من حصير، أي انتخب موضعًا من المسجد، فأقام في نواحيه الحصيرَ، وسدّ به الأركان، ليحجب بصرَ الناس عنه، 

فصلّى فيها لياليَ من رمضان، يختلي بربّه، ويؤثر الخفاء، فإنّ العبادة إذا خفيت سَلِمت، وإذا أُعلنت فُتِنت.

فلمّا رآه الناس وسمعوا صوته عليه الصلاة والسلام غلب عليهم حبّ الاقتداء، فصلّوا بصلاته ، شوقًا إلى الخير ومسابقةً إلى الأجر – فهو خير إمام يتقدمهم – في الصلاة.

فلمّا علم بهم، ترك ما كان فيه، وأخفض صوته حتى لا يسمعوه ويصلون بصلاته .

وهذا من حياء ﷺ .

فلمّا احتجب عنهم، وفقدوا صوته، ظنّوا به النوم، فتنحنحوا بصوت عالي ليستخرجوه إليهم، وفي ذلك دليلُ شدّة رغبتهم، وحبّهم للاجتماع على عبادته. 

قال أبو كندا وما زالت [ النحنحة ] إلى الان وسيلة تخاطب ما بين المأموم والامام، – لكنك لن تجدها موجودة في المعاجم- ، 

تجد الان بعض الناس إذا دخل المسجد ووجد الامام راكع تنحنح بصوت عالي وكأنه يقول لا ترفع من الركوع حتى اركع معكم – 

فقال لهم رسول الله ﷺ : ” مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ “.

قال لهم ذلك على جهة الرحمة والشفقة بهم.

ثم قال لهم ناصحا مرشدا لما هو أصلح للناس كافة ” فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

انظر كيف ارشدهم على أنّ الشريعة تبنى على السَّعة واليسر والرفق لا على الحرج والعنت فلا تُحمِّل النفوس ما يَثقل عليها.

فأبان لهم ما نُبئ به من الله عز وجل ،وأخبرهم به فقال ” فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

أبان لهم علتين في صلاتهم معه.

العلة الاولى : الخشية من أن تفرض.

والعلة الاخرى : أن الخير والفضل في صلاة البيت إلا المكتوبة.

 أخرج [ الصلاة المكتوبة ] من هذا الباب، لأنّ لها شأنًا آخر، تُقام بها الجماعة، وتُظهَر بها الشعيرة.

وهذا من بليغ حكمته ﷺ؛ إذ جمع بين حفظ الجماعة في الفريضة، وحفظ الإخلاص في النافلة. 

فكأن الشرع يقول: أظهروا ما لا بدّ من إظهاره، وأخفوا ما يُخشى عليه من آفة النفوس.

وهناك حديث أخر ، رواه مسلم يثبت انزعاج الرسول ﷺ من صلاة القيام جماعة ، يذكره لنا أنس رضي الله عنه ، قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَامَ أَيْضًا حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ ؛ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ، فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ : قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا : أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : فَقَالَ : ” نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ “. قَالَ : فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ ؛ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ “.

سبحان الله !!!

قال أبو كندا: سَمّاهم رسولُ الله ﷺ المتعمِّقين، فجاء الاسمُ على قدرِ المعنى، وأصابَ موضعَ الداء من غير إفراطٍ في لفظٍ ولا تعسّفٍ في وصف. 

وأراه أبلغَ من قولهم: المتزمِّتون أو المتشدِّدون؛ لأنّ تلك ألفاظٌ تُهيِّج السمع ولا تُبيِّن العلّة، وتُخاصِم ولا تُقنِع.

فأمّا المتعمِّق فقد دلّ اسمه على غلوٍّ جاوز الحدّ، وطلبٍ للغائر قبل الأوائل، وكلفةٍ لما لا يُكلَّف، حتى يخرج بصاحبه من السَّعة إلى الحرج، ومن البيان إلى التكلّف.

فلذلك سأعتمد هذا الاسم، إذ كان نَبويًّا في أصله، عربيًّا في سبكه، دقيقَ الإشارة إلى المعنى، لا يَشتم ولا يُلبس، ولا يزيد على أن يضع الشيءَ في موضعه.

وبعد هذا كله ،

خرج علينا [المتعمقون] وأنكروا على من صلى قيام رمضان في بيته، وزعموا أنّ الاجتماع أولى، وأنّ المخالفة شذوذ، وأنّ الانفراد ريبة! 

وكأنّهم جعلوا ما استحسنه الناس أصلًا، ورضا الرسول تبعًا، وقدّموا العادة على العبادة، والجماعة على السنّة.

والشيطان – اعاذنا الله من شره – فقيهٌ بأبواب الشرّ، عليمٌ بمداخل النفوس، لا يأمرهم بترك الصلاة، ولكن يزيّن لهم صفةً منها تخالف الهدي، ويحبّب إليهم المخالفة باسم الاجتماع، لعل الله عز وجل لا يقبل منهم صلاتهم ولا دعائهم لمخالفة امر رسولهم ﷺ .

حتى إنّ الشيطان لم يقف عند هذا الحدّ، ولا رضي بالقليل، بل جاوز به إلى أن سوّل للنساء الخروج إلى المساجد لقيام الليل جماعة، لا ابتغاء طاعةٍ ولا طلب قربة، ولكن قصد – اعاذنا الله من شره – مخالفتهن لما قاله الرسول ﷺ، رجاء أن تحجب دعواتهن وترد اعمالهن.

فبلغ الشيطانُ من إحكام كيده أن أخرجهنَّ من بيوتهنَّ إلى المساجد حين كره رسولُ الله ﷺ ذلك، بل زيَّن لهم ذلك حتى رأوه صوابًا.

ثم لم يزل يداخلهم بالمكر، ويعالجهم بالوهن، حتى أقعدهنَّ عن الخروج إلى صلاة الجمعة؛ إذ كان الخروج طاعةً، وساعةَ استجابةٍ.

قال أبو كندا : حقيقة لا اتصور ان امرأة تخاف الله عز وجل وتسمع الله عز وجل يناديها للصلاة من يوم الجمعة ومع ذلك لم تستجب له طول حياتها.

أعلمُ أنَّ المتعمِّقين الآن قد تنرفزوا، وحَرَدوا، وغضِبوا، وأزبدوا؛ 

وذلك أمرٌ غيرُ مُنكَر، وطبعٌ جارٍ على العادة؛ فإنَّ النفوس إذا خولِفَت مألوفاتُها، ونُوزِعَت عوائدُها، ثارت، ونافرت، واستوحشت من الرأي المخالف قبل أن تنظر في حجَّته، أو تتأمَّل وجهَ صحَّته.

وقبل أن تُحدُّوا ألسنتكم أيها المتعمقون، اصبروا وتعوذوا بالله من الشيطان واقرأوا هذا الخبر الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، قَالَ : صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَقَالَ : إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَدَعَا أَهْلَهُ، وَنِسَاءَهُ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الْفَلَاحَ. قُلْتُ لَهُ : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ. < قال أبو كندا: الحديث حجة > 

أفرأيتم، رحمكم الله، كيف كان رسولُ الله ﷺ آخذًا بأيدي أصحابه ونسائه وأهله إلى أبواب الخير، لا يدعهم هملاً، ولا يحملهم على ما تمله النفوس وتضعف عنه الأبدان؟ كان حريصًا على هدايتهم، رفيقًا في تعليمهم، عالمًا بمواقع القلوب من الأعمال.

مكث في شهر رمضان اثنتين وعشرين ليلةً لا يجمعهم على قيام، كأنّه يدرّب القلوب على الشوق، ويُنمّي في الصدور رغبةً لا تُقسر، حتى إذا كانت ليلةُ ثلاثٍ وعشرين قام بهم، ثم أراحهم في الرابعة والعشرين، ثم قام بهم في الخامسة والعشرين، ثم أراحهم في السادسة والعشرين، ثم أحيا ليلة سبعًا وعشرين بجمع أهل بيته ونساءه ، ثم كفّ بعد ذلك، لا عن عجز، ولا عن فتور، ولكن سياسةً للنفوس، وحفظًا للسنّة، وهو العالم بما تُطيق النفوس وما تمله .

صلى بهم ثلاثَ ليالٍ، وهو غيرُ وَجِلٍ من أن تُكتَبَ عليهم فريضة، ولو كان في ذلك مظنّةُ إيجابٍ أو مخافةُ إلزام، لما جمع أهله ونساءه، ولا أبداه على رءوس الأشهاد، ولكنّه فعله فعلَ المطمئنّ إلى الحكم، الواثقِ بانقطاع الإيجاب، فكانت تلك الحالُ أصدقَ شاهد، وأبينَ قرينة، على أنّ هذا الفعل آخرُ الأمرين، وأنّ الحكم قد استقرّ والشرع قد بلغ إلى غايته في هذا الأمر.

أفلا يسعكم، بعد هذا البيان، ما وسع رسولَ الله ﷺ؟ أم تظنون أنكم أهدى سبيلًا من نبيٍّ أُنزِل عليه الوحي؟ هيهات هيهات. 

قال أبو كندا : لذلك اقترح، أن تُقام صلاةُ التراويح جماعةً في كلّ ليلةٍ من ليالي شهر رمضان في الحرمين الشريفين وفي الجوامع العظام من جوامع الأحياء، ولا تُقام في المساجد الصغار؛ إذ كان في ذلك اجتماعُ أمرين، كلاهما محمود العاقبة.

فأمّا الأوّل: فإنّ جمعَ الناس على إمامٍ واحدٍ في الحرمين والجوامع الكبار أدعى إلى لزوم الجماعة، وأبعدُ من التفرّق والاختلاف، وأمنعُ للغوغاء والاضطراب؛ لأنّ الكثرة إذا انتظمت بإمامٍ واحدٍ كانت إلى السكون والطاعة أقرب، وإذا تفرّقت تطرّق إليها الخلاف.

وأمّا الثاني: فإنّ تركَ إقامة الصلاة في المساجد الصغار، وحثَّ الناس على القيام في البيوت، أَولى بموافقة ما أراده رسول الله ﷺ، واجتنابِ ما كرهه، إذ كان ﷺ يحبّ أن تُؤدَّى صلاةُ الليل في المنازل، إلا في ليالٍ مخصوصة، وهي ثلاث وعشرون، وخمس وعشرون، وسبع وعشرون، لما فيها من رجاء الفضل واجتماع القلوب.

فإذا كان الأمر كذلك، فقد وافقنا بهذا الفعل قصدَ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، إذ جمع الناس على إمامٍ واحدٍ، لا ليُحدث عبادةً، ولكن ليضبط ما خُشي عليه الاختلاف، ويقرّب الناس من السُّنّة من غير إفراطٍ ولا تفريط

ونحن اليوم نبصر ثمرةَ مخالفة هدي رسولِ الله ﷺ ظاهرةً لا تُنكر؛ ازدحامَ الصفوف في أوائل رمضان، وتفرّقها في أواخره، مع أنّ الشرف كلَّه في آخر الليالي، ففيها ليلةُ القدر، موضعُ الرجاء، وغاية الطلب.

فلو سلكوا سبيله، ولزموا سنّته، لدام لهم النشاط، واستقام لهم العمل، ولكنهم شدّدوا حيث كان الرفق، وفتروا حيث كان الاجتهاد، فدلّ ذلك على أنّ الخير كلَّه في الاتباع، وأنّ من ترك الأثر خذله القصد، وإن حسب نفسه مهتديًا.

كتبه

ماجد بن محمد العريفي

23-1-2026