الاستعاذة3
قوله ﴿ الرَّجِيمِ ﴾.
قال أبو كندا: ومعنى “الرَّجِيمِ” هو “المَرْجُومُ بالحِجَارَةِ”، وإنّ أحقرَ أنواعِ الطَّرْدِ، وأقبحَها، وأذلَّها للمطرودِ، هو الطَّرْدُ بالحِجَارَةِ رجْمًا.
وإنّ ما ذكره بعض العلماء في تأويل “الرَّجِيم” بالملعون المشؤوم، فغريبٌ ظاهرٌ، إذ لم تكن العرب تستعمل “الرَّجْم” إلاّ في الرمي بالحجارة، فلا يُستعار له غير ذلك.
فإنّها خصّت الاسم بهذا المعنى، وجعلت الفعل مقرونًا بما يُرمى به.
والقرآن يُؤوَّل على ظاهره، فإن عسر فهم الآية على ظاهرها، انتقل التأويل إلى المجاز .
قال ابن فارس في مادة ( رَجَمَ) أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ [الرَّمْيُ بِـ الْحِجَارَةِ ]، ثم يستعار لذلك .
مِنْ ذَلِكَ الرِّجَامُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ.
يُقَالُ رُجِمَ فُلَانٌ، إِذَا ضُرِبَ بِالْحِجَارَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: الرِّجَامُ: حَجَرٌ يُشَدُّ فِي طَرَفِ الْحَبْلِ، ثُمَّ يُدَلَّى فِي الْبِئْرِ، فَتُخَضْخَضُ الْحَمْأَةُ حَتَّى تَثُورَ ثُمَّ يُسْتَقَى ذَلِكَ الْمَاءُ فَتُسْتَنْقَى الْبِئْرُ. وَالرُّجْمَةُ: الْقَبْرُ، وَيُقَالُ هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُجْمَعُ عَلَى الْقَبْرِ لِيُسَنَّمَ.
وَالَّذِي يُسْتَعَارُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: رَجَمْتُ فُلَانًا بِالْكَلَامِ، إِذَا شَتَمْتَهُ. أ،هـ
قال أبو كندا: وقولُ ابنِ فارسٍ هذا، هو الصوابُ عندي؛ لأنَّ ابنَ فارسٍ بنى المعنى على أقوالِ العربِ واستعمالاتِهم لهذه الكلمةِ، إلاّ على جهةِ الاستعارة البيّنة، كقولهم: رَجَمْتُ فُلَانًا بِالْكَلَامِ، لأنّهم شبّهوا وقعَ القول بوقع الحجر، لما فيه من أذًى وإيلام.
وقال بعضُهم: إنَّ معنى الرَّجْمِ في الأصلِ الشَّتمُ، وإنَّما الرَّميُ بالحجارةِ معنىً ثانويٌّ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾، مع أنّ المفسِّرين لم يُجمِعوا على أنّ معناها الشتمُ؛ فقد قال بعضُهم: هو الرميُ بالحجارة،
وقال آخرون: لأقتلنَّك، أي: لأرمينَّك بالحجارةِ حتّى الموت. وقال يحيى بنُ سَلَامٍ: ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾ بالحجارة؛ فلأقتلنَّك بها.
ولو كان معنى الرَّجمِ هو الشتمَ، لاحتجّت به اليهودُ على الرسول ﷺ حين أمرَ برجمِ من زنى منهم.
روى مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن ابنِ عمرَ أنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ ” فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. [13]
ثم لو كان معنى الرَّجْمِ هو “المَلْعُونَ المَشْتُومَ”، فما تفسيرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾، في قولهِ تعالى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾.
أَيَكُونُ مَعْنَاهَا شَتْمًا أَوْ لَعْنًا بِالْغَيْبِ؟!
وهذا ممّا تأباه العربية، ولا يستقيم به اللسان.
قال أبو كِندا: فدلّ ذلك على أنّ الرَّجْم هاهنا ليس بالسبّ ولا باللَّعن، وأمّا معنى قولِه تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾: أي قولٌ لم يُبنَ على عِلمٍ، كفعلِ الشياطينِ الذين يحاولون استراقَ السمعِ، فيُرْجَمون بالنُّجومِ فلا يَسْمَعون، ثم يُلَفِّقون الكلامَ كَذِبًا، كأنَّهم قد استمعوا.
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ() تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ() يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾.
وقوله ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾.
وما رواه البخاري بسنده عن ابي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا ﴿ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ﴾، لِلَّذِي قَالَ : ﴿ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ – وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ – فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ، أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ “.
وما رواه ايضا بسنده عن عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت : سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ : ” إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ “. فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ “.
قال أبو كندا: لذلك سمَّتِ العربُ النجومَ التي يُرْمى بها “رُجومًا”.
قال صاحب الجمهرة : والرجوم: النُّجُوم الَّتِي يرْمى بهَا وَبِذَلِك سمي الشَّيْطَان رجيما فعيل فِي مَوضِع مفعول.أ،هـ
وبعدَ هذا كلِّه، أجزم بأنَّ معنى “الرَّجِيمِ” هو “المَرْجُومُ بالحِجَارَةِ”، وإنّ أحقرَ أنواعِ الطَّرْدِ، وأقبحَها، وأذلَّها للمطرودِ، هو الطَّرْدُ بالحِجَارَةِ رجْمًا.
قال أبو كندا: ولعلَّ من رجَّحَ معنى اللَّعنِ والشَّتمِ إنَّما ذهبَ إلى ذلك، لأنَّ كلمةَ «رَجِيمٍ» وُضِعَتْ على وزنِ «فَعِيلٍ» بمعنى «مَفْعُولٍ»، أي: «مَرْجُومٍ»، على جهةِ المبالغةِ.
ولأنّ هذا الوزنَ يدلّ على التكرار في الرجم، فقد فَهِمَ أنَّ “رَجِيمًا” ليس محضَ الرجمِ بالحجارةِ فحسب، بل يُحتمل أنْ يكون من باب اللَّعنِ والشتمِ .
وذلك لأنّه لم يَرِدْ في القرآنِ ولا في السنّةِ بيانُ كيفيّةِ رَجْمِه المستمرِّ، ولا وقتُ رَجْمِه، ولم تبلغه أخبارٌ عن كيفيّة الرجمِ بالحجارةِ، فمالَ الطبريُّ إلى أنّ الأمرَ استعارةٌ عن الشتمِ، واللهُ أعلمُ.
غير أنّ هذا الفهمَ يُؤخَذُ عليهِ أنّ الشتمَ أيضًا لم يُبيَّنْ كيف يكونُ مستمرًّا، إذْ لم يَرِدْ في القرآنِ أو السنّةِ ما يدلّ على شتمِ الشيطانِ.
وأيضًا، لو كان الرجمُ هو اللَّعنَ والشتمَ، فلمَ قرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ بينهما؟! في قوله تعالى: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ () وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين ﴾.
قال أبو كندا: «الرَّجِيمُ» على وزنِ «فَعِيلٍ»، ويُفْهَمُ منها أنَّ إبليسَ قد رُجِمَ بالحجارةِ، وسيستمرُّ رَجْمُهُ بها إلى أن يشاءَ اللهُ تعالى.
فنُصَدِّقُ بذلك ونؤمنُ به، ولا نعلمُ كيفيَّتَهُ.
وقد روى الإمامُ أحمدُ خبراً في ذلك، عن أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ : صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ – قَالَ يُونُسُ : الشَّيْطَانُ – فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ قَالَ : قَدْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – قَالَ يُونُسُ : وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ : يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ ؛ فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ : { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ } { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } ، فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتَّبَّعُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْكِبَاشِ. قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى، قَالَ : هَذَا مِنًى “[15]
فلعلَّ رَمْيَ الجمراتِ حالةٌ من حالات رَجْمِه، أي: الشيطان.
وأمّا من صَرَف معناها إلى رَمْيِ الشياطينِ بالشُّهُبِ والثَّواقِبِ، كما قال الفخرُ الرازيُّ في تفسيره: “أنَّ الشيطانَ إنما وُصِفَ بكونه مرجومًا، لأنّه تعالى أمرَ الملائكةَ برَميِ الشياطينِ بالشُّهُبِ والثَّواقِبِ طردًا لهم من السماوات، ثم أُطلِقَ ذلك الوصفُ على كلِّ شريرٍ متمرِّدٍ. اهـ.
فيُؤخذُ على هذا القولِ أنَّ صفةَ “الرَّجِيمِ” خاصَّةٌ بإبليسَ، وليست بكلّ الشياطين.
قال أبو كندا: وقال قومٌ: إنّ “الرَّجِيمِ” بمعنى “راجِمٍ”، لأنّه يَرْجُمُ الناسَ بالوساوسِ والشّكوكِ،
وهذا القول غريب لأنهم قلبوا المعنى من التحقيرِ والذلّةِ إلى القوّةِ والتأثيرِ.
ثمَّ إنَّ العربَ، وهم أولو البيانِ وسِرُّ النُّطقِ، قد نظروا في أبنيةِ الكلامِ نظرَ البصيرِ في جواهرِ المعدنِ، فاختاروا لكلِّ معنىً وزنًا يليقُ به، وكسَوه من اللفظِ ما يُوافِقُ طبعَه.
فجعلوا الفعل الثلاثي إذا دلّ على آفةٍ تنالُ الجسد، أو مكروهٍ يصيب الحيَّ، على بناء فعيل، ليجري مجرى المفعول، كقولهم: قتيل لمن أُصيب بالقتل، وجريح لمن جُرح، ورجيم لمن رُجم.
فشبَّهوا الاسم بالمفعول، إذ كان الموصوف به مُنَالاً لا نائلاً، ومُصاباً لا مُصيباً.
فإذا كان الفعل من جهة السجية والطبع، ومن باب الغرائز والصفات الراسخة، جعلوه أيضاً على وزن فعيل، ولكن أرادوا به معنى الفاعل، كقولهم: كريم لمن كرُم طبعُه، وعظيم لمن عظم شأنه، ورحيم لكثرة رأفته وإحسانه، وأليم لما فيه من الألم، وحزين لمن اشتمل صدرُه على الحزن.
فانظر ـ رحمك الله ـ كيف فرّقوا بين من يقع عليه الفعل، ومن يقوم به، في لفظٍ واحدٍ لم يبدّلوا صورته، ولكنهم بدّلوا وجه معناه، فكانت لغتُهم كالكائن الحيّ: شكلُه واحد، وأفعاله متباينة.
فدلّ ذلك على تمام فطنتهم، ودقة نظرهم، وأنهم ما وضعوا اللفظ إلا على قدر المعنى، ولا صاغوا الوزن إلا على مثال الحكمة.
والله اعلم،،،
قال أبو كندا: ومختصرُ ذلك كلِّه:
إذا قال العبدُ: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»، فقد أظهر فقرَه إلى مولاه، وتبرَّأ من حوله وقوَّته، وأقرَّ بعجزه عن مقاومة عدوِّه إلا بعونِ الله.
فبمجرَّدِ قولِه: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»، يعترفُ أنَّ الدافعَ للشرِّ، والممسكَ للضرِّ، إنما هو اللهُ لا غيرُه.
فالاستعاذةُ شهادةٌ على الخضوعِ والافتقارِ إلى اللهِ وحدَه،
وشهادةٌ على أنّ الضرَّ لا يُرفَعُ إلّا بإذنِ اللهِ وحدَه،
وشهادةٌ على أنّ الإنسانَ ضعيفٌ أمام نزغاتِه، وأنّ قوّتَه كلَّها لا تُغني عنه شيئًا إن لم تكن باللهِ وحدَه.
فمعنى «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ»: أي أطلبُ من اللهِ وحدَه أن يدفعَ عنّي ضررَ الشيطانِ المرجومِ.
فهي كلمةٌ، لو تفكَّر العبدُ في معناها، لعلِمَ أنَّها عقدٌ بينه وبين ربِّه على التوكُّلِ والاعتصامِ، لا لفظٌ يجري على اللسانِ عادةً.
قال أبو كندا: ثمَّ إذا نظرنا في ألفاظِ هذه الجملةِ نظرًا لغويًّا، كما جرى عليه لسانُ العربِ، رأينا أنَّ قولَه: «أعوذُ» من مادَّةِ «ع و ذ»، وتعني عندَ العربِ دفعَ الضررِ.
وأما «الباءُ» عندَ العربِ حرفُ جرٍّ، يدلُّ على أساسِ الشيءِ الذي يقومُ به، ولا يستقلُّ دونَه.
وأما قولُه: «اللهُ» فهو من «الإلهِ»، والعربُ تُطلِقُ اسمَ «الإلهِ» على كلِّ مَن تظنُّه قادرًا على جلبِ النفعِ الغيبيِّ أو دفعِ الضررِ الغيبيِّ.
وأما «مِنْ» حرفُ جرٍّ، وله معنىً واحدٌ، وهو التبعيضُ.
وأمّا «الشَّيطانُ»، فهو مشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ.
وأمّا «الرَّجيمُ»، فهو من مادّة «ر ج م»، وهي عند العربِ يقصد بها في الرَّمْيِ بالحجارةِ.
والله اعلم،،،
———-
[1] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[2] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[3] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[4] – قال أبو كندا: هاتان الروايتان تخالفان الثقات في اللفظ.
[5] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[6] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[7] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[8] – ابو بكر القفال: من طلبة الطبري وابن خزيمة ومن تلاميذة الحاكم وابن مندة.
[9] – الحسن بن الفضل: أحد مفسري القران في عصره توفي سنة 280 .
[10] – قال أبو كندا: وأيضًا اسم «الرحمن» عَلَمٌ غير مُشْتَقٍّ.
[11] – قال أبو كندا: الحديث حجة، وأخرجه أحمد.
[12] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[14] – قال أبو كندا: الحديث حجة.
[15] – قال أبو كندا: الرواية أقبلها.