المقدمة
تأويل قول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.
قال أبو كندا: ولفظ الاستعاذة الذي عليه الدليل الصحيح هو:
[أعوذ بالله من الشيطان الرجيم]
كما روى البخاري في صحيحه بسنده عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ :
اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ “. فَقَالُوا : لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
وهذا الحديث هو تأويل قوله تعالى:
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
فالله عز وجل قال للرسول ﷺ:
﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.
وقال سبحانه وتعالى:
﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.
لذلك الرسول ﷺ بَيَّنَ لنا لفظ الاستعاذة حتى نقولها في الحالات التي أمرنا الله عز وجل أن نستعيذ فيها من الشيطان الرجيم.
قال الثعلبي (ت 427) : فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لنص القرآن والخبر المتصل المتسلسل، وهو أني قرأت على الشيخ أبي الفضل محمّد بن أبي جعفر الخزاعي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في المواضع كلّها فأني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمّد بالبصرة فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على عبد الله أبي حامد الزنجاني فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على محمّد بن عبد الله بن بسطام فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على روح بن عبد المؤمن فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على سلام بن المنذر، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: «يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ» .
قال ابن عجلان: وهكذا علمني أخي أحمد، وقال: هكذا علمني أخي، وقال: هكذا علمني وكيع بن الجراح، وقال: هكذا علمني سفيان الثوري.أ،هـ
قال أبو كندا: وهذا سندٌ في القراءات، لا أفقه فيه شيئًا.
وقال ابن عطية ” وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .
وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد» . ونحو هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول إنه لا يجوز “. أ،هـ
قال أبو كندا: أما أشهر الصيغ الأخرى فهي:
• أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
• أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.
وكِلتا الصيغتين لم يرد فيها حديث صحيح عن الرسول ﷺ.
وإليك الرواياتِ التي وردت عن الرسول ﷺ في هاتين الصيغتين:
روى أحمد : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وَكَبَّرَ، قَالَ : ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ “.
قال أبو كندا: لا أحتج بهذه الرواية، ففيها جعفر بن سليمان، وهو ثقة في روايته عن ثابت البناني فقط، وأما في غيره فهو ضعيف. وهنا يروي عن علي بن علي اليشكري.
وروى أحمد: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : ” مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، إِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ؛ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ “.
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها خالد بن طهمان ليس بثقة.
وروى أحمد: عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، وَسَبَّحَ ثَلَاثًا، وَهَلَّلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ ، وَنَفْخِهِ، وَشِرْكِهِ “.
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده مبهم.
وروى أحمد: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ “. قَالَ عَمْرٌو : هَمْزُهُ : الْمُوتَةُ، وَنَفْخُهُ : الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ : الشِّعْرُ.
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها عاصم العنزي مجهول.
وروى أحمد:عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا – ثَلَاثًا – الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ “. قَالَ حُصَيْنٌ : هَمْزُهُ : الْمُوتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ صَاحِبَ الْمَسِّ، وَنَفْثُهُ : الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ : الْكِبْرُ.
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندهاعباد بن عاصم مجهول وقيل انه هو عاصم العنزي.
وروى أحمد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ، وَنَفْخِهِ “. فَهَمْزُهُ : الْمُوتَةُ، وَنَفْثُهُ : الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ : الْكِبْرُ.
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها محمد بن الفضيل روى عن عطاء بن السائب ومحمد بن الفضيل مضطرب اذا روى عن عطاء بن السائب.
وروى ابن وهب ( 197 هـ )في كتابه الجامع : قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ: شَكَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَنْسَى الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ وَالْعَلِيمُ، وأعوذ برب مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ إِنَّكِ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ بِالْقُرْآنِ بَصَرِي، وَأَطْلِقْ بِالْقُرْآنِ لِسَانِي وَاشْرَحْ بِالْقُرْآنِ صَدْرِي، وَأَفْرِجْ بِالْقُرْآنِ عَنْ قَلْبِي وَاسْتَعْمِلْنِي بِهِ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي؛ فَقَالَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ النِّسْيَانُ.
قال أبو كندا: الرواية ضعيفة ، فعمر مولى غفرة من الطبقة الخامسة فلم يدرك علي، فهو منقطع.
وكل هذه الروايات عن الرسول ﷺ لا يُحتج بها.
أما الروايات عن التابعين، فقد رواها ابن أبي شيبة في مصنفه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي، وَأَنَا أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: ” قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ “.
قال أبو كندا: لا تصح هذه الرواية، ففي سنده عبدالله بن مسلم بن يسار وهو مجهولٌ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، أَوْ «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده عنعنة ابن جريج.
عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سرين أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا، وَيَقُولُ فِي تَعَوُّذِهِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَحْضُرُونِ».
قال أبو كندا: الرواية صحيحة، ومع أن رواية محمد بن سرين صحيحة إلا أن قول الرسول ﷺ مقدم على قول التابعي .
تأويل قول القائل: [ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]
قال أبو كندا: أي اطلب من الله وحده أن يدفع عني ضرر الشيطان المرجوم.
وتفسير هذا التأويل:
إن كلمة [أعوذ] مأخوذة من جذر [عوذ] الذي يدل على دفع الضرر.
ولو تأملت ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ : ” مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ “[1]
لوجدتَ أن دلالات كلمة [عُوذ] هي دفع الضرر، بدليل قوله ﷺ: “لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ”.
وما رواه مالك بسنده عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ؟ ” فَقَالَ : لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ “.[2]
لوجدتَ أن الرسول ﷺ قال: “لَمْ تَضُرَّكَ” ولم يقل: “لم تُصِبْكَ”، فالاستعاذة لا تعني الحماية من الإصابة بشيء، بل قد يصيبك الأمر لكنه لا يضرك.
قال ابو كندا: إذن، فالاستعاذة تعني طلب دفع الضرر.
والاستعاذة خاصة بالله فلا تطلب من غيره، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ قُدْرَةٌ لَا يَمْلِكُهَا سِواهُ.
قال ابن كثير: “والعياذة تكون لدفع الشر.” أهـ
وبعد دراسةِ كُتُبِ التفسير وكُتُبِ اللغة، وجدتُ أنَّ المفسِّرين اختلفوا في معنى الاستعاذة على عدة معانٍ، وهي:
1. الأول: الاستجارة، أي (طلبُ الأمانِ والضَّمانِ).
2. الثاني: الالتجاءُ.
3. الثالث: الاعتصامُ، أي (المنعُ والإمساكُ والالتصاقُ).
4. الرابع: اللَّواذُ، أي (التَّخفي والتَّستُّرُ).
5. الخامس: الالتجاءُ والاستجارةُ والاعتصامُ.
فأما من قال إن معنى الاستعاذة هو الالتجاء، فأرى أن هذا وصفٌ عامٌ وليس معنًى خاصًّا بالاستعاذة، فالالتجاء للاستعانة والالتجاء للاستجارة والالتجاء الاستعاذة والالتجاء للإواء والالتجاء للفرار والإواء والتحصن.
وأما اللواذ، فلا يصلح أن نفسر به الاستعاذة، ولا أظن أنه يصح أن تلوذ بالله لأن اللواذ في استخدام العرب واستخدام القرآن يعني التخفي والتستر، قال الله عز وجل ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
ولم أرَ آيةً في القرآن أو حديثًا صحيحًا أو حسنًا ذكر فيه اللواذ بالله، لذا، أرى أنه لا يصلح لمعنى الاستعاذة.
وأما تفسير الطبري للاستعاذة بالاستجارة من باب تعريف الشيء بالمَثَل، فمعنى الاستعاذة لا يطابق معنى الاستجارة.
فلو كان معنى الاستعاذة يطابق معنى الاستجارة لقال الله عز وجل – ولا مبدّل لكلماته- [استجير بالله من الشيطان الرجيم] ، كما قال عز وجل: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقد يكون تفسير الطبري مبنيًّا على بعض الآثار التي رُويت بالمعنى، فبعض الرواة يروي بالمعنى، فيستبدل الاستعاذة بالاستجارة.
وإليك مثالًا على ذلك:
فهذا حديث حذيفة المعروف، الذي رواه أحمد في مسنده، بسنده عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ “، وَفِي سُجُودِهِ : ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى “. قَالَ : وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا.[3]
وقد رواه الدارمي، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم بلفظ التعوذ.
وهناك روايتان، إحداهما عند ابن ماجة، والأخرى عند النسائي، شذّتا عن لفظ التعوذ، فقالا [ استجار].
فروى ابن ماجة بسنده: عَنْ حُذَيْفَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَجَارَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سَبَّحَ.[4]
قال أبو كندا: وما يشكل على القائل بأن الاستعاذة هي الاستجارة، أن لغة القرآن هي لغة السماء، وإعجازه في نظمه. لذا، فأي كلمتين مختلفتي الحروف لا يمكن أن يكون لهما نفس المعنى ألبتة، بل لا بد أن إحداهما تختلف عن الأخرى بزيادة معنى أو نقصه.
فمن يقول إن الاستعاذة هي الاستجارة، إنما يقصد بذلك أن أقرب معنى للاستعاذة هو الاستجارة، لأنهما تشتركان في المعنى العام وهو الأمان، ولكنهما تختلفان في دلالاتهما.
قال أبو كندا: من أوجه التشابه بين الاستجارة والاستعاذة أنهما يشتركان في طلب الأمان وكيفية الالتجاء.
كما يتشابهان في الأركان والحدود؛ فالاستجارة عند العرب لها أركانٌ وحدود.
فأما حدودها، فهي زمانيةٌ، أو مكانيةٌ، أو كلاهما، كالإستجارة.، قال الله تعالى ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ﴾.
فمدة الاستعاذة وزمانها ومكانها يحددها الله عز وجل ويخبرنا بها الرسول ﷺ .
واما اركانها : فهي الطلب والقبول فلابد ان تطلب الاستجارة ويقبلها المستجير وكذلك الاستعاذة لابد ان تطلب الاستعاذة ويقبلها الله عز وجل .
فطلب الاستعاذه بالله عز وجل من ضرر اي شيء تخاف منه من حقك ولم يمنعك الله عز وجل منه .
أما القبول ، فهو من حق الله عز وجل فإذا شاء قبل واذا لم يشأ لم يقبل ، وهذا امر غيبي ، لا يعلمه الا الله عز وجل.
فإن قيل: كيف أعلم أن الله قد قبل استعاذتي؟
قيل: أرسل الله عز وجل إلينا رسولًا من البشر ليبلِّغنا عنه ماهيَّة الاستعاذة التي يقبلها، والاستعاذة التي يعلِّق قبولها بمشيئته؛ إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها.
وهنا تتجلى رحمة الله عز وجل في أنه أرسل إلينا رسولًا يخبرنا بما يحب الله عز وجل وما لا يحب.
فالله عز وجل ملكُ الملوك، ذو العظمة والجبروت، وهو الإله العظيم. فإذا قضى عليك أمرًا، فلا مفرَّ منه، ومهما دعوت وفعلت، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
لكن رحمة الله تتجلى في القدر؛ فإن قبل استعاذتك، دفع عنك الضرر، وإن لم تستعذ، فدعاؤك قد يُخفِّف أثر القدر.
إذن، فكلُّ استعاذةٍ أخبر بها النبي ﷺ، أو قالها، فهي رسالة من الرحمن الرحيم بأنه سيقبلها، إن دعوته بها كما أخبرك الرسول ﷺ.
ومن هذه الرسائل التي أرسلها الله عز وجل، ما أوحى بها إلى أحبِّ أصحابه إليه، ووالد أحبِّ زوجاته إليه بعد خديجة.
ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ : ” قُلِ : اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ “.[5]
هذه الرسالة ثابتةٌ عن الرسول ﷺ عن الله عز وجل، وقد حدَّد فيها صيغة الاستعاذة ووقتها، فإن أتيت بها كما أخبرك الرسول ﷺ ، قبلها الله منك وأعاذك.
أما إن غيَّرتَ الصيغة، أو الوقت، أو المكان، فلله عز وجل الحق في قبولها، أو ردِّها، فهو سبحانه وتعالى رَبُّ العرش العظيم ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.
ولقد تأملت في الفرق بين الاستعاذة والاستجارة في القرآن والسنة، فوجدت ثلاثة فروقٍ:
أولها: أن الاستعاذة لا تُطلب إلا من الله عز وجل دون غيره، بينما تُطلب الاستجارة من الله أو من البشر.
قال الله عز وجل ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾.
قال ابن تيمية ” الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ﷺ ( أعوذ بوجهك ) و ( أعوذ بكلمات الله التامات ) و ( أعوذ برضاك من سخطك ) ونحو ذلك وهذا أمر متقرر عند العلماء ” ا.هـ الفتاوى 35/273
ثانيها: أن الاستعاذة تستلزم ذكر ما يُستعاذ منه، كما قال الله عز وجل: { وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾.
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ ﴾.
﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) ﴾.
وروى أحمد في مسنده بسنده عَنْ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ “. [6]
تأمل كل هذه الأدلة، فستجد أن الاستعاذة من شيءٍ معينٍ يجب أن يذكره المستعيذ، أما الاستجارة، فتكون عامة، وليست مُخصَّصة بشيءٍ.
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (6) ﴾.
﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) ﴾.
ثالثها: أن الاستعاذة هي طلب الأمان بدفع الضرر، أي تمضي في الأمر مطمئنًا، فإن أصابك شيءٌ فلن يضرك.
أما الاستجارة، فهي طلب الأمان بالضمان، أي امضِ في الأمر ولا خوف عليك، فإن أصابك شيءٌ وأضرَّك، فسنضمن لك استرداد حقك.
لذلك، فالاستعاذة لا تُطلب إلا من الله،أما الاستجارة، فتُطلب من البشر.
وبعد التأمل في ذلك، والبحث في معنى “أعوذ”، أستطيع أن أقول إن الاستعاذة تعني اللجوء إلى الله طلبًا للأمان بدفع الضرر.
والله أعلم،،،
**********
تأويل قوله ﴿ أَعُوذُ بِاللهِ ﴾.
ومعناه: أطلب من الله وحده أن يدفع الضرر عني.
فـ “الباء” حرفُ جرٍّ، وهو يدل على معنى واحد، وهو الأساس في الشيء.
فهذا الحرف يدل على أن الاستعاذة لا تُطلب إلا من الله عز وجل، ولا يقدر على تحقيقها إلا الله عز وجل.
تفسير هذا التأويل:
قال أبو كندا: ميَّز الله عز وجل العرب بكونهم أميين، فكانت كلمتهم عهدًا لا يُنقض، وكأنها عند الأعاجم مكتوبةٌ في ورقة، مشهودٌ عليها من اثنين، وموثَّقةٌ عند المحامي.
ولهذا، كانوا يدقِّقون في كل حرف يُقال، ويصفون لك المشهد كما هو، دون الحاجة إلى رسمه، بل يعتمدون على الكلمات، والحروف، والصوت.
ومن ذلك الفهم، وضعت نظريةً أطبِّقها على لغة العرب، وهي أن كلَّ كلمةٍ تختلف عن الأخرى ولو بحرفٍ واحد، فإن لها معنًى مستقلًّا، وإن تقاربت الدلالة.
كذلك، فإن كلَّ حرفِ جرٍّ يحمل معنىً ثابتًا، لا يتغيَّر ولا يتنوع، وإن أمكن استنباط معنى مقارب له من خلال السياق، لتيسير الفهم لغير العرب فقط.
وبناءً على ذلك، أقول: إن “الباء” حرفُ جرٍّ يدل على الأصل في الشيء.
فإذا قلت: “مَسَحْتُ بِيَدَيَّ الْمِنْدِيلَ”، فُهِمَ أنك مسحت المنديل بيدك، فالباء دلَّت على أن اليد هي الماسحة، والمنديل هو الممسوح.
أما إذا قلت: “مَسَحْتُ يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ”، فُهِمَ أنك مسحت يدك بالمنديل، فالباء دلَّت على أن المنديل هو الماسح، واليد هي الممسوحة.
وعليه، فالباء تدل على أن الاسم الواقع بعدها هو الأساس في المعنى، ومنه يُفهم المراد.
وإليك مثالًا من القرآن: اقرأ قول الله عز وجل ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾،
فقال الله عز وجل هنا: ﴿ بِقِنْطَارٍ ﴾ و**﴿ بِدِينَارٍ ﴾،** ولم يقل “على قنطار” أو “على دينار”، مع أن أكثر أهل اللغة والمفسرين يرون أن معنى “الباء” هنا هو الاستعلاء، أي بمعنى “على”.
أما العربي، فإذا سمع قول الله عز وجل: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾، فسيعلم أن من أهل الكتاب أناسًا أصلهم ومبدؤهم الخيانة، فلو اؤتمن أحدهم على أقل من الدينار، كالدِّرهم، فسيصعب استرجاعه منه، ولن يؤديه إلا بعد مشقةٍ وإلحاح.
كل هذا يفهمه العربي دون حاجة إلى شرحه، فمجرد سماعه “الباء” يدرك ما تشير إليه، دون أن تطيل في الشرح، وإن سمع “على”، فسيستنبط المعنى ويتصرف وفقًا له.
أرأيت كيف دلَّ هذا الحرف على معانٍ عظيمة، واختصر الكثير من العبارات في حرف واحد؟
فـ”الباء” تدل على أن المذكور بعدها هو الأساس في المعنى، وعليه يُبنى الفهم.
وإليك مثالًا آخر: لو سمع العربي قول الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾، لأدرك أن الأصل في الرأس عند الوضوء هو المسح، ولفهم أنه إن وُجد على الشعر شيءٌ لاصق، فلا يلزمه إزالته، وأنه لو زرع شعرًا، فلا يجب إيصال الماء إلى عروقه، بل يكفيه المسح فقط.
لذلك، لبَّد الرسول ﷺ رأسه عندما أحرم، وأهَلَّ بالحج في ميقات المدينة، قبل دخول ذي الحجة بعدة أيام، ولم يحلق شعره إلا يوم العاشر من ذي الحجة.
فروى مالك في موطأه بسنده عن حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ فَقَالَ : ” إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ “.[7]
قال القنازعي: “وصِفَةُ التلبيد أن يأخذ الرجل الصمغ، فيُحِلُّهُ في الماء، ثم يحمله على شعر رأسه، فيشتدُّ ذلك الصمغ على الشعر، ويصير كالسَّطح، يمنع الغبار أن يصل إلى جلد الرأس.” أهـ.
وقال ابن بطَّال: “والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، ليمنعه ذلك من الشعث.” أهـ.
قال أبو كندا: ومع ذلك، مسح الرسول ﷺ رأسه عند الوضوء وصلى، ولم يُزل التلبيد إلا بعد عدة أيام.
ولهذا، قال الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ بـ”الباء”، ولم يقل: “امسحوا رؤوسكم.”
أما من قال إن “الباء” هنا للتبعيض، أي أنها بمعنى “من”، فهو قولٌ غير صحيح، إذ لم يُنقل عن الرسول ﷺ أنه مسح بعض رأسه في الوضوء، ولو مرةً واحدة.
فقد كان ﷺ يمسح رأسه كاملًا، سواءً كان عليه عمامةٌ أو كان مُلبَّدًا.
وأما من قال إن معناها الأصلي “الإلصاق”، فحديث التلبيد يُبيِّن خطأه؛ فالرسول ﷺ مسح على التلبيد، والصمغ يعزل الماء عن الرأس، فيمنعه من الملاصقة.
والعجيب أن الشافعي يرى “الباء” هنا للتبعيض، فيُجيز مسح بعض الرأس، بينما يوجب مسح الوجه كاملًا في التيمم، مع أن الله عز وجل قال: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾.
وحين علمتُ أن الشافعي أجاز مسح بعض الرأس، لأن الرسول ﷺ مسح على العمامة، أدركتُ أنه لم يفسر “الباء” في ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ بالتبعيض.
إذن، “الباء” تدل على أن هذا الأمر المقصود هو الأساس في المعنى، ويُبنى عليه الفهم.
وعلى هذا المعنى، يفهم العربي إذا سمع من يقول: “أعوذ بالله”، أن هذا القائل ينسبُ أساس الاستعاذة إلى الله، فلا تطلب من غيره.
والله أعلم،،،
**********
تأويل قوله ﴿ أَعُوذُ بِاللهِ ﴾.
واسم “الله” اسمٌ جامدٌ غير مشتق، وقد اشتُقَّ منه التألُّه.
تفسير هذا التأويل:
قال أبو كندا: والعرب تُطلق اسم «الإله» على كل من تظنه قادرًا على جلب النفع أو دفع الضرر الغيبي.
لذلك، أطلقوا اسم «الآلهة» على أصنامهم، وأوثانهم، وطواغيتهم، معتقدين أنها تشفع لهم، أو تضرهم، أو تنفعهم غيبياً، فكل قبيلة اتخذت «آلهة» تخصها، تلجأ إليها في طلب النفع الغيبي، وتستدفع بها الضرر الغيبي.
ومع ذلك، اتفقوا على أن اسم «الله» خاصٌّ بالإله الذي في السماء.
وقال الواحدي : وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل، وابن كيسان وأبو بكر القفال[8]، والحسين بن الفضل[9] إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}. أ،هـ
وقال الراغب : فأما لفظة: الله، فيجب أن يعلم أن اسماء الله تعالى كلها مشتقة باتفاق أهل اللغة إلا لفظة الله، فإنه مختلف فيها: فبعضهم جعلها كالعلم مستدلاً بأنه يوصف ولا يوصف به كالأسماء الأعلام .أ،هـ[10]
قال أبو كندا: هناك سؤال لا أعرفُ إجابته، وهو: لما أمرنا الله عند قراءة القرآن بالاستعاذة بالألُوهية، فقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾، بينما أمر في سورة الفلق بالاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة، فقال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾، وفي حديث الاستعاذة عند النزول وردت الاستعاذة بكلمات الله: «أعوذُ بكلماتِ اللهِ»؟
الذي أعرفه أن هناك مفهومًا أدركه العرب في ذلك الوقت، ولم ندركه نحن الآن، وأعلم، أنه سيأتي أحدٌ يُدركه لكثرة قراءته في معاني القرآن ومعاني الأحاديث وسنن كلام العرب في ذلك الزمان. لذلك، أشارككم نتاجَ تأملي في هذه المسألة، وهو اجتهاد قد يكون خطأً أو صوابًا.
أقول، والله أعلم: خُصَّت الاستعاذة بالألُوهية عند قراءة كلام الله – عزَّ وجلَّ – لأن الشيطان مبتغاهُ أن يُخرج الإنسان من عبادة الله إلى عبادة غيره، أو أن يدفعه إلى الكفر بالله، فناسب ذلك الاستعاذة بالألُوهية.
أما الاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة في سورتي الفلق والناس، فهي استعاذة من الشرور الدنيوية، فناسب ذكر الرُّبُوبِيَّة؛ لأن الرَّبَّ هو السيد والمصلح والرازق.
والله أعلم،،،
**********
تأويل قوله ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.
أي: ضرر الشيطان المرجوم.
تفسير هذا التأويل:
قال أبو كندا: حرف «مِن» هو حرف جرٍّ يدلُّ على التبعيض فقط.
أمّا مَن زعم أنّ معنى “من” للغايــة، فقد التبس عليه المعنى ؛ لأنَّ معنى الغايــة يُفهَمُ من تركيب الجملة وسياقها، لا من دلالة “من”.
فلو قال رجلٌ: “رحلت من مكة”، فلا يعني ذلك أنّه رحل من مكة كلِّها، بل كان في موضعٍ منها فرحل. عنه.
وإن زعم آخَرُ أنها لبيان الجنس، قلنا: بيانُ الجنسِ هو بيانُ بعضٍ من شيءٍ.
قال أبو كندا: “أعرفُ أنك ستتعجّب، وستقول: أنَفهمُ من كلامك هذا أنَّنا نستعيذ بالله من بعضِ الشيطان، وليس كلِّهِ؟!”
أقولُ لك: إنَّ الشيطانَ طلبَ من الله عزوجل فـ ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ﴾.
وقال الرسول ﷺ ” إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ “.[11]
فاللهُ عزَّ وجلَّ إلهٌ وملكٌ وحكم، وقد قضى أنَّ الشيطانَ سيأتيك، وقد يصيبك، وهذا حُكمٌ من اللهِ قد قضاه، ولا مفرَّ منه.
أمّا تقديرُ ضررِ هذه الإصابة، فقد جعلَ لك الخيارَ فيها؛ فإن استعذتَ به، دفعَ الضررَ، وإن لم تستعذْ به، استمرَّ فيك الضررُ حتى يأذنَ اللهُ عزَّ وجلَّ في دفعهِ.
لذلك، إذا استعذتَ باللهِ من الشيطان، فأنتَ تستعيذُ من ضررِ الشيطان كُلِّهِ، لأنّ ضررَ الشيطانِ متعدِّدٌ ومتنوعٌ، ولا نستطيعُ أن نحصرَ ضرره.
ومن أنواعِ ضررِهِ: شَرُّهُ، وشِرْكُهُ، ووَسْوَسَتُهُ، وفِتْنَتُهُ، وهمزاتُهُ، ونَفْثاتُهُ، وتلبيسُهُ. لذلك، التعوّذُ منهُ عامًّا دونَ تخصيصٍ عند قراءةِ القرآنِ، هو الأفضلُ والأكملُ لدفعِ ضررهِ.
والله اعلم،،،
**********
تأويل قوله ﴿ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.
أي: ابليس المرجوم.
تفسير هذا التأويل:
قال أبو كندا: ومعنى كلمة [ الشيطان ] وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع جنسه، وبعيد بفسقه عن كل خير.
قال أبو جعفر: والشيطان، في كلام العرب: كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء. وكذلك قال ربّنا جل ثناؤه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ ، فجعل من الإنس شياطينَ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
ثم قال: وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير. وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شَطَنَتْ دَاري من دارك – يريد بذلك: بَعُدت. فكأن الشيطان – على هذا التأويل – فَيعَال من شَطَن.أ،هـ
قال أبو كندا: والشَّيْطَانُ في لغة العرب مشتقٌّ من شَطَنَ، إذا بَعُدَ، فهو بعيدٌ بطبعه عن طِباعِ جنسه، وبعيدٌ بِفِسْقِهِ عن كلِّ خيرٍ.
ولهذا يسمّون كلَّ ما تمرَّدَ من جِنِّيٍّ وإنسيٍّ وحيوانٍ شَيْطَانًا. قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾.
وكما في مسند أحمد بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : ” يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ : الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ “. فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ : ” إِنَّ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ “.[12]
قال أبو كندا: وبِلا شَكٍّ، فَإِنَّ شيطانَ الجنِّ كَافِرٌ، لأنَّه يُخالِفُ جِبِلَّةَ الملائكةِ. وأمَّا شيطانُ الإنس، فقد يكون مُسْلِمًا.
لدلالة ما روى مالك في الموطأ بسنده نْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ “.
وأما المقصود في هذه الاستعاذة فهو ابليس لأن ( ال ) في الشيطان للعهد وليس للجنس.
والله اعلم،،،
**********
تأويل قوله ﴿ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.
أي: المرجوم بالحجارة.
تفسير هذا التأويل:
قال الطبري: وتأويل الرجيم: الملعون المشتوم. وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم.
وأصل الرجم الرَّميُ، – بقول كان أو بفعل- .
ومن الرجم بالقول، قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ ﴾.
وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب . أ،هـ
قال أبو كندا: ولا يُعجِبُنِي تأويلُ الطَّبَرِيِّ لكلمةِ “الرَّجِيمِ” بـ ” المَلْعُونِ المشْؤُومِ ” لأنَّ الرَّجْمَ عند العربِ مُتعلِّقٌ بِالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ.
قال ابن فارس : ( رَجَمَ) الرَّاءُ وَالْجِيمُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ [الرَّمْيُ بِـ الْحِجَارَةِ ]، ثم يستعار لذلك .أ،هـ
مِنْ ذَلِكَ الرِّجَامُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ. يُقَالُ رُجِمَ فُلَانٌ، إِذَا ضُرِبَ بِالْحِجَارَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: الرِّجَامُ: حَجَرٌ يُشَدُّ فِي طَرَفِ الْحَبْلِ، ثُمَّ يُدَلَّى فِي الْبِئْرِ، فَتُخَضْخَضُ الْحَمْأَةُ حَتَّى تَثُورَ ثُمَّ يُسْتَقَى ذَلِكَ الْمَاءُ فَتُسْتَنْقَى الْبِئْرُ. وَالرُّجْمَةُ: الْقَبْرُ، وَيُقَالُ هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُجْمَعُ عَلَى الْقَبْرِ لِيُسَنَّمَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تُرَجِّمُوا قَبْرِي» [13]، أَيْ لَا تَجْعَلُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، دَعُوهُ مُسْتَوِيًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرِّجَامُ حَجَرٌ يُشَدُّ بِطَرَفٍ عَرْقُوَةِ الدَّلْوِ، لِيَكُونَ أَسْرَعَ لِانْحِدَارِهَا.
وَالَّذِي يُسْتَعَارُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: رَجَمْتُ فُلَانًا بِالْكَلَامِ، إِذَا شَتَمْتَهُ. وَذُكِرَ فِي تَفْسِيرِ مَا حَكَاهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾. أَيْ لَأَشْتُمَنَّكَ; وَكَأَنَّهُ إِذَا شَتَمَهُ فَقَدْ رَجَمَهُ بِالْكَلَامِ، أَيْ ضَرَبَهُ بِهِ، كَمَا يُرْجَمُ الْإِنْسَانُ بِالْحِجَارَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَأَرْجُمَنَّكَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. أ،هـ
قال أبو كندا: وقولُ ابنِ فارسٍ هذا، هو أقرَبُ للصوابِ عندي، لأنَّ ابنَ فارسٍ بنى المعنى على أقوالِ العربِ واستعمالاتِهم لهذه الكلمةِ، وجعلَ الاستعارةَ فقط في قولِ أبي إبراهيمَ لإبراهيمَ عليهِ السلامِ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾.
قال أبو كندا: أمَّا الطبريُّ، فجعلَ المعنى الثَّانويَّ للرَّجمِ هو الرَّمْيَ بِالْحِجَارَةِ، وجعلَ أصلَ معناهُ الشَّتْم، مستدلًّا بقولهِ تعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾.
مع أنَّ المفسِّرين لم يُجْمِعوا على أنَّ معناها الشَّتْمُ، فقد قال بعضُهم: الرَّمْيَ بِالْحِجَارَةِ، وقال آخرون: لأقتلنَّكَ – أي أرميكَ بِالْحِجَارَةِ حتى الموت.
قال يحيى بنُ سَلَامٍ: ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾. بِالْحِجَارَةِ، فَلأَقْتُلَنَّكَ بِهَا.
وَمَن تأمَّلَ كلامَ الطبريِّ في تفسيرِه وَجَدَهُ يستخدمُ كلمةَ “الرَّجْمِ” دائمًا في معنى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ.
قال أبو كندا: ولو كان معنى الرَّجْمِ هو الشَّتْمَ، لاحتجَّت به اليهودُ على الرسولِ ﷺ عندما أَمَرَ بِرَجْمِ من زَنَى منهم.
روى مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن ابنِ عمرَ أنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ” مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ ” فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَى يَحْنِي يُكِبُّ عَلَيْهَا ؛ حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ.[14]
ولو كان معنى الرَّجْمِ هو “المَلْعُونَ المَشْتُومَ”، فما تفسيرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾، في قولهِ تعالى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾.
أيكونُ معناها شَتْمًا أو لَعْنًا بِالْغَيْبِ؟!
قال أبو كندا: وأمَّا معنى ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾، فهو أنَّ قولهم يشبهُ قولَ الكُهَّانِ والسَّحَرَةِ، الذين اشتهروا بِالْكَذِبِ.
فإنْ قيل: ما الرابطُ بين الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ والكُهَّانِ والسَّحَرَةِ؟
فالجوابُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ() تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ() يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾.
وقوله ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾.
وما رواه البخاري بسنده عن ابي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا ﴿ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ﴾، لِلَّذِي قَالَ : ﴿ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ – وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ – فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ، أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ “.
وما رواه ايضا بسنده عن عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت : سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ : ” إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ “. فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ “.
وروى الطبري بسنده عن قتادة ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾، إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء الدنيا، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها.[15]
قال أبو كندا: لذلك سمَّت العربُ النجومَ التي يُرْمَى بها “رُجُومًا”.
قال صاحب الجمهرة : والرجوم: النُّجُوم الَّتِي يرْمى بهَا وَبِذَلِك سمي الشَّيْطَان رجيما فعيل فِي مَوضِع مفعول.أ،هـ
وقال صاحب الصحاح : والرَجْمُ: أن يتكلَّم الرجل بالظنِّ. قال تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾، يقال صار فلان رَجْماً: لا يوقف على حقيقة أمره. ومنه الحديثُ المُرَجَّمُ، بالتشديد.أ،هـ
إذًا، معنى قوله ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ ، قولٌ لَمْ يُبْنَ على علمٍ، كَعِلْمِ الشَّياطينِ الذين يحاولونَ أنْ يَسْتَرِقُوا السَّمْعَ، فَيُرْجَمُونَ بِالنُّجُومِ.
وبعد هذا كلِّه، أستطيعُ أن أقولَ: إنَّ معنى “الرَّجِيمِ” هو “المَرْجُومُ بِالْحِجَارَةِ”، وإنَّ أحقرَ أنواعِ الطَّرْدِ، وأقبحَها، وأذلَّها لِلْمَطْرُودِ هو الطَّرْدُ بِالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ.
ولعلَّ الطبريَّ رَجَّحَ معنى اللَّعْنِ والشَّتْمِ، لأنَّ كلمةَ “رَجِيمٍ” جاءت على وزنِ “فَعِيلٍ” بمعنى “مَفْعُولٍ”، أي “مَرْجُومٍ”.
ولأنَّ هذا الوزنَ يُشِيرُ إِلَى الاسْتِمْرَارِ في الفعلِ، فقد فهمَ أنَّ معنى “رَجِيمٍ” ليس مجرَّد الرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ، بل اسْتِمْرَارُ هذا الرَّجْمِ، ممَّا دفعه إلى تفسيرِهِ بِاللَّعْنِ وَالشَّتْمِ.
لأنَّه لم يَرِدْ في القرآنِ ولا في السُّنَّةِ بيانُ كيفيةِ رَجْمِهِ المستمرِّ، أو وقتُ رَجْمِهِ، ولم تبلغه أخبارٌ عن كيفيةِ الرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ، فمال الطبريُّ إلى أنَّ الأمرَ استعارةٌ عن الشَّتْمِ، والله اعلم.
لكنَّ هذا الفهمَ يُؤْخَذُ عليهِ أنَّ الشَّتْمَ أيضًا لم يُبَيَّنْ كيف يكونُ مستمرًّا، إذ لم يَرِدْ في القرآنِ أو السُّنَّةِ ما يدلُّ على شَتْمِ الشَّيطانِ.
وأيضًا، لو كانَ الرَّجْمُ هو اللَّعْنَ والشَّتْمَ، فلماذا كَرَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ معنى اللَّعْنِ فقالَ: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ () وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين ﴾.
ثمَّ قال قومٌ: إنَّ “الرَّجِيمِ” بِمَعْنَى “رَاجِمٍ”، لأنَّه يَرْجُمُ النَّاسَ بِالْوَسَاوِسِ والشُّكوكِ. فانقلبَ المعنى منَ التَّحْقِيرِ وَالذُّلَّةِ إلى القُوَّةِ.
قال أبو كندا: ينبغي أن يُفْهَمَ من كلمةِ “الرَّجِيمِ”، التي هي على وزنِ “فَعِيلٍ”، أنَّ إبليسَ قد رُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، وسيستمرُّ رَجْمُهُ بِهَا إلى أنْ يشاءَ اللهُ.
وقد روى الامام احمد خبرا بسنده عن عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ : صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ – قَالَ يُونُسُ : الشَّيْطَانُ – فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ قَالَ : قَدْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – قَالَ يُونُسُ : وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ – وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ : يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ ؛ فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ : { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ } { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } ، فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتَّبَّعُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْكِبَاشِ. قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى، قَالَ : هَذَا مِنًى “[16]
قال أبو كندا: فلعلَّ رميَ الجماراتِ حالةٌ من حالاتِ رجمهِ.
وأمَّا من صَرَفَ معناها إلى رَمْيِ الشَّياطينِ بِالشُّهُبِ، كما قال الفخرُ الرَّازيُّ في تفسيرهِ : وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَرْجُومًا لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِرَمْيِ الشَّيَاطِينِ بِالشُّهُبِ وَالثَّوَاقِبِ طردا لهم من السموات، ثُمَّ وَصَفَ بِذَلِكَ كُلَّ شِرِّيرٍ مُتَمَرِّدٍ. أ،هـ
قال أبو كندا: ويُؤْخَذُ على هذا القولِ أنَّ صفةَ “الرَّجِيمِ” خاصَّةٌ بِإِبْلِيسَ فقط، وليست بكلِّ الشَّياطين. ثمَّ إنَّ الجنَّ لَاحَظُوا هذا الأمرَ في السَّماءِ بعدَ بَعْثَةِ الرَّسولِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وليسَ قبلَها، ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾.
والله اعلم،،،
انتهى
[10] – قال أبو كندا: وأيضًا اسم «الرحمن» عَلَمٌ غير مُشْتَقٍّ.