قال أبو كندا:
اعلمْ أن أوَّلَ ما خُوطِبَ به النبيُّ ﷺ من كلماتِ الوحي، قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، فكان الابتداءُ من اللهِ، وباللهِ، وفي اللهِ، لا بحَوْلِ العبدِ ولا بقُوَّتِه.
فالأمرُ بالقراءةِ لم يكن مُطلقًا، بل مُقيَّدًا باسمِ الرَّبِّ الخالقِ، الذي يَسَّرَ له قراءةَ القرآنِ، فلولاه ما قرأ، ولا استمع، ولا تدبَّرَ، ولا فهم، ولا هُدي. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ}، وقال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.

فاعتَبَرَ العلماءُ هذه الآيةَ تأديبًا من اللهِ عزَّ وجلَّ للبشر، فإنّ أوَّلَ ما نزل من القرآن، نزل بالأمرِ بالقراءة، باسمِ [الربِّ] سبحانه وتعالى، في قوله تعالى { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }
ثم بيّن، في آيةٍ أخرى، الاسمَ المقصودَ، فقال عزَّ من قائل { الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ } ، ثم لَطُف بنا ربُّنا، فدلَّنا على صِيغةِ الابتداء، ومن أين نبدأ، وكيف نقرأ، فقال جلّ شأنه على لسان نبيٍّ من أنبيائه { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ }
فلذلك، حينما نتلوه، فإنَّنا نبدأ نفسَ البدايةِ التي أرادها اللهُ تبارك وتعالى، وهي أن تكون البدايةَ باسمِ الرحمن.
ونحن الآن، حينما نقرأُ القرآن، نبدأ نفسَ البداية فنقول: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قال الطبري: إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: “بسم الله”، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.أ،هـ
قال أبو كندا: والمقصودَ من هذا الأدبِ أن تتجرّدَ للهِ عزَّ وجلَّ، وتنسِبَ الفضلَ له، وكأنك تقولُ: ليس لي من الأمرِ شيء، فالفضلَ للرحمن عزَّ وجلَّ، هو الذي علّمني القرآنَ، فـ {الرَّحْمَٰنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ}، فالقرآنُ قولُه عزَّ وجلَّ، وليس قولي؛ علّمني قراءتَه، وتفضّل عليَّ بأن سمح لي أن أقرأَه.. {قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} لذلك، نحن تقرأ القرآن باسمِ الرحمن، لأنه جلَّ جلالُه، هو الذي يسّره لنا: كلامًا، وتنزيلًا، وقراءةً.

قال صاحب المنار : مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب؛ وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمرا ما لأجل أمير أو عظيم، بحيث يكون متجردا من نسبته إليه ومنسلخا عنه، يقول: أعمله باسم فلان، ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان؛ لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملا لا يكون له وجود ولا أثر لولا السلطان الذي به أمر، أقول: إن عملي هذا باسم السلطان، أي إنه معنون باسمه، ولولاه لما عملته.

فمعنى أبتدئ عملي { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ }: أنني أعمله بأمره وله لا لي، ولا أعمله باسمي مستقلا به على أنني فلان، ولا لنفسي فيه حظ.أ،هـ


فإن قيل: فما الاسمُ المقصود في قوله { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ }؟
قلنا: الاسم المقصود في هذا الموضع هو الرَّحمن، وذلك لأنّ لفظ الله عند العرب ليس علَماً موضوعاً ابتداءً، بل هو عندهم كالكناية عن معهودٍ في الأذهان، وهو إله السماء، إذ لم يكونوا يعرفون له اسماً مخصوصاً يطلقونه عليه، وإنما كانوا يقولون: الله، أي: الإلهُ المعهودُ، وإليه الإشارة بـ(أل) العهدية.
وبيان ذلك: أنّ قريش، وإن كانوا أهلَ أوثانٍ وأصنام، فإنهم مع ذلك كانوا يعتقدون بإلهٍ أعظم، خالقٍ للسماوات والأرض، إلا أنهم لم يكونوا يعرفون له اسماً خاصاً، بل كانوا يطلقون عليه اسم الله معرّفاً بأل، على جهة العهد، كمن يشير إلى معلومٍ عند المخاطَب. وأما سائر معبوداتهم، فقد وضعوا لها أسماء مخصوصة، كالعُزّى، ومناة، واللّات، وغير ذلك، فجعلوها آلهةً صغرى، يتقرّبون بها إلى الإله الأعظم، الذي يعبّرون عنه بـ”الله”، لذلك عندما طلب سهيل بن عمرو، من الرسول ﷺ ان يكتب كتاب الصلح في الحديبية قال الرسول ﷺ لكاتبه اكتب [ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ] ، فعترض سهيل بن بن عمرو فقال: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. رواه البخاري
فإذا علمتَ هذا، علمتَ أنّ قوله: بسم الله، إنما هو تقدمةٌ وتمهيد، واسمُ الرحمنِ هو المقصودُ بالنيةِ، والمطلوبُ بالتسمية، لأنّ الرحمنَ اسمٌ في نفسه، يدلُّ على صفته، ويُحيلُ على ذاتٍ مخصوصة، فبانَ الفرقُ بين الاسمين، ووضح المرادُ لمن عقل وتفكَّر.


فإن قال قائلٌ: لِمَ لم تُفتتحْ جملةُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ» بفعلٍ صريحٍ، كما في قول القائل: «أقرأُ باسمِ الله»، أو باسمٍ ظاهرٍ، كأن يُقال: «القراءةُ باسمِ الله»
إنّ الله تعالى شرعَ لعباده أن يستفتحوا كلَّ شأنٍ من شؤونهم بهذه الكلمة المباركة، فجعلها جاريةً على ألسنتهم في المطعَم والمشرب، والمدخل والمخرج، والركوب والنزول، والقراءة والكتابة، والذبح والنحر، وسائرِ الأعمال.
فلو قُيّدتْ بالفعلِ، لاقتصرَ معناها على ذلك الفعلِ بعينه، ولبطلتْ عمومُ إفادتها، ولما صلحتْ أن تكونَ مفتتحًا مطلقًا لكلِّ أمرٍ يُراد به وجهُ الله.
فكان حَذْفُ الفعلِ والاسمِ أدلَّ على التعميم، وأقربَ إلى التضمين، وألطفَ دخولًا في سائرِ المقامات، حتى يُقدَّرَ كلُّ امرئٍ من حاله ما شاء، كأنّه يقول: “أبدأُ باسمِ الله”، أو “أتحرّكُ باسمِ الله”، أو “آكلُ”، أو “أكتبُ”، على حسبِ ما هو فيه من الشأن، فيبقى الاسمُ على إطلاقه، والفعلُ مقدّرًا على حسبِ المقام، فتكون الجملةُ كالثوبِ المفرغِ، يلبسُه كلُّ أحدٍ على قدره، لا يضيقُ عن كبيرٍ، ولا يَفْضُلُ عن صغير.


الباء في { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
ذكرْنا من قبلٍ أنَّ معنى [الباء] يُفهَم منه الدلالةُ على الأصلِ والأهمِّيَّة؛ فهو حرفٌ يُشير إلى معنى الأصلِ في الجملة.
قال أبو كندا: فقولُهُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ}، أي: اقرأْ باسمِ إلهِنا الرَّحمنِ، ففيه تنبيهٌ على أنَّ ابتداءَ القراءةِ إنّما يكونُ باسمِ إلهِنا الرَّحمنِ، لا باسمِ غيرِه؛ فالفضلُ له، والكلامُ كلامُه، والقرآنُ من عندِه، لا من عندِ سِواهُ.
وانما نحن نقرأ القران وليس لنا من الامر شيء، وبهذا المعنى يدخل من ضمنه معنى البركة والاستعانة والقبول والتجرد والخضوع ، وهذا ما تشير اليه ( الباء ) هنا .
اما اذا خصصتها بالبركة او الاستعانة فأنت بهذا قصرت المعنى .
قال ابو شامة المقدسي : – معن الباء هنا أي – فعلت هَذَا بعون الله وتوفيقه، أَي ملتبسا بِهِ يُرَاد بذلك بركَة الْفِعْل وَإِسْنَاده إِلَى خالقه ومريده، يُقَال: فعلت كَذَا باسم الله وعَلى اسْم الله، قَالَ الله تَعَالَى: {وَقَالَ اركبوا فِيهَا باسم الله} . أ،هـ

قال الحلبي : واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه . ا،هـ
إذا تقرر ذلك فـ «بسم الله» لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف. أ،هـ

وقال الواحدي : فأما المتعلق به (الباء) في قوله {بِسْمِ اللَّهِ} فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره.أ،هـ

وقال ابو جعفر : التأويل في قول القائل “بسم الله”، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: “بسم الله الرحمن الرحيم”، إنما معناه: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله. فجُعِل “الاسمُ” مكان التسمية، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم، والعطاءُ مكان الإعطاء.أ،هـ

قال ابو كندا : يفهم من ذلك ان التقدير مخير ، فإما ان يكون المعنى اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم او بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ .


قال أبو كندا: ومختصرُ ذلك كلِّه:

فمعنى قول العبد { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } أي: اقرأْ باسمِ إلهِنا المعبودِ، [الرَّحمنِ]، الموصوفِ بالرَّحمةِ.

قال أبو كندا: واليك معاني الألفاظ التي وردت في السورة على لسان العرب :

قولُه: «الرَّحِيمُ»، من مادَّةِ «ر، ح، م»، وهي تدلُّ عند العربِ على الرأفةِ والإنعامِ.