تأويل قول المستعيذ: [اعوذ بالله من الشيطان الرجيم]
قال أبو كندا: أي اطلب من الله وحده أن يدفع عني ضرر الشيطان المرجوم.
فكلمة [أعوذ] مأخوذة من جذر [عوذ] الذي يدل على دفع الضرر.
ولو تأملت ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ” مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ “[1]
لوجدتَ أن دلالات كلمة [عُوذ] هي دفع الضرر، بدليل قوله ﷺ: “لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ”.
 
وما رواه مالك بسنده عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟ ” فَقَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ “.[2]
لوجدتَ أن الرسول ﷺ قال: “لَمْ تَضُرَّكَ” ولم يقل: “لم تُصِبْكَ”، فالاستعاذة لا تعني الحماية من الإصابة بشيء، بل قد يصيبك الأمر لكنه لا يضرك.
 
قال أبو كندا: إذن، فالاستعاذة تعني طلب دفع الضرر.
والاستعاذة خاصة بالله فلا تطلب من غيره، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ قُدْرَةٌ لَا يَمْلِكُهَا سِواهُ. 
قال ابن كثير: “والعياذة تكون لدفع الشر.” أهـ
 
وبعد دراسةِ كُتُبِ التفسير وكتبِ اللغة، وجدتُ أنَّ المفسِّرين اختلفوا في معنى الاستعاذة، فذكروا لها عدةَ معانٍ، وهي:
1.    الأوّل: الاستِجارة، أي: (طلبُ الأمانِ والحِماية).
2.    الثاني: الالتجاء.
3.    الثالث: الاعتصام، أي: (التمسُّكُ والمنعُ والامتناع).
4.    الرابع: اللِّواذ، أي: (التخفِّي والتستُّر).
5.    الخامس: معنًى عامٌّ يشتمل على الاستجارة، والالتجاء، والاعتصام.
فأمّا من قال إنّ معنى الاستعاذة هو الالتجاء، فأرى أنّ هذا وصفٌ عامٌّ، وليس معنًى خاصًّا بالاستعاذة؛ فالالتجاءُ يكون للاستعانة، ويكون للاستجارة، ويكون للاستعاذة، ويكون للإيواء، أو للفرار، أو للتحصُّن.
وأما اللواذ، فلا يصح أن تُفسر به الاستعاذة، ولا أرى أن يُقال: لاذ بالله، لأن اللواذ في لسان العرب يعني التخفي والتستر، قال الله عز وجل ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ولم أرَ آيةً في القرآن أو حديثًا صحيحًا أو حسنًا ذكر فيه اللواذ بالله، لذا، أرى أنه لا يصلح لمعنى الاستعاذة.
وأما تفسير الطبري للاستعاذة بالاستجارة من باب تعريف الشيء بالمَثَل، فمعنى الاستعاذة لا يطابق معنى الاستجارة.
فلو كان معنى الاستعاذة يطابق معنى الاستجارة لقال الله عز وجل – ولا مبدّل لكلماته- [استجير بالله من الشيطان الرجيم]، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقد يكون تفسير الطبري مبنيًّا على بعض الآثار التي رُويت بالمعنى، فبعض الرواة يروي بالمعنى، فيستبدل الاستعاذة بالاستجارة.
 
وإليك مثالًا على ذلك:
فهذا حديث حذيفة المعروف، الذي رواه أحمد في مسنده، بإسناده عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ “، وَفِي سُجُودِهِ: ” سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى “. قَالَ: وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا.[3]
 
وقد رواه الدارمي، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم بلفظ التعوذ.
 
وهناك روايتان، إحداهما عند ابن ماجة، والأخرى عند النسائي، شذّتا عن لفظ التعوذ، فقالا [استجار].
 
فروى ابن ماجة بسنده: عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَجَارَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سَبَّحَ.[4]
 
قال أبو كندا: وما يُشكل على من يقول إنّ الاستعاذةَ هي الاستجارةُ، أن لغة القرآن هي لغة السماء، وإعجازه في نظمه. لذا، فأي كلمتين مختلفتي الحروف لا يمكن أن يكون لهما نفس المعنى ألبتة، بل لا بُدَّ أن تختلفَ إحداهُما عن الأخرى بزيادةِ معنىً أو نقصانه
 
فمن يقول إن الاستعاذة هي الاستجارة، إنما يقصد بذلك أن أقرب معنى للاستعاذة هو الاستجارة، لأنهما تشتركان في المعنى العام وهو الأمان، ولكنهما تختلفان في دلالاتهما.
 
قال أبو كندا: من أوجهِ التشابهِ بين الاستجارةِ والاستعاذةِ أنَّهُما يشتركانِ في طلبِ الأمانِ، وفي كيفيةِ الالتجاء.
كما يتشابهانِ في الأركانِ والحدود؛ فالاستجارةُ عند العربِ لها أركانٌ وحدودٌ.
فأمّا حدودُها، فهي زمانيّةٌ، أو مكانيّةٌ، أو كلاهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ﴾.
وكذلك الاستعاذة، فزمانُها ومكانُها ومدتها يُحدّدها اللهُ عزَّ وجلَّ، ويُخبِرُنا بها الرسولُ ﷺ.
وأمّا أركانُها، فهي الطلبُ والقبول.
فلابدَّ أن تُطلَبَ الاستجارةُ، ويقبلَها المستجارُ به، وكذلك الاستعاذةُ، لا بدّ أن تُطلَبَ، ويقبلَها الله عزَّ وجلَّ.
فطلبُ الاستعاذةِ بالله تعالى من ضرٍّ تخافه، هو حقٌّ لك، لم يمنعك الله منه، بل أذن لك فيه، ورغّبك فيه.
وأمّا القَبولُ، فهو من حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإذا شاء قبِلَ، وإذا لم يشأ لم يُقبَل، وذلك أمرٌ غيبيٌّ، لا يعلمه إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
فإن قيلَ: كيف أَعلَمُ أنَّ اللهَ قد قبِلَ استعاذتي؟
قيلَ: أرسلَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلينا رسولًا من البشرِ ليُبلِّغَنا عنه ماهيَّةَ الاستعاذةِ التي يقبلُها، والاستعاذةَ التي يُعلِّقُ قبولَها بمشيئتِه؛ إنْ شاءَ قبِلَها، وإنْ شاءَ لم يقبلْها.
وهنا تتجلَّى رحمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ في أنَّه أرسلَ إلينا رسولًا يُخبِرُنا بما يحبُّ اللهُ عزَّ وجلَّ وما لا يحبُّ.
فاللهُ عزَّ وجلَّ ملكُ الملوكِ، ذو العظمةِ والجبروتِ، وهو الإلهُ العظيمُ. فإذا قضى عليك أمرًا، فلا مفرَّ منه، ومهما دعوتَ وفعلتَ، فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكنْ.
لكنَّ رحمةَ اللهِ تتجلَّى في القَدَرِ؛ فإنْ قبِلَ استعاذتَك، دفَعَ عنك الضررَ، وإنْ لم تستعِذْ، فدعاؤُك قد يُخفِّفْ أثرَ القَدَرِ.
 
إذن، فكلُّ استعاذةٍ أخبرَ بها النبيُّ ﷺ، أو قالَها، فهي رسالةٌ من الرحمنِ الرحيمِ بأنَّه سيقبلُها، إنْ دعوتَه بها كما أخبرَك الرسولُ ﷺ.
 
ومن هذه الرسائلِ التي أرسلَها اللهُ عزَّ وجلَّ، ما أوحى بها إلى أحبِّ أصحابِه إليه، ووالدِ أحبِّ زوجاتِه إليه بعدَ خديجةَ.
ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: ” قُلِ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ “.[5]
 
هذه الرسالةُ ثابتةٌ عن الرسولِ ﷺ عن اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد حدَّد فيها صيغةَ الاستعاذةِ ووقتها، فإنْ أتيتَ بها كما أخبرَك الرسولُ ﷺ، قبِلَها اللهُ منك وأعاذَك.
 
أمّا إنْ غيَّرتَ الصيغةَ، أو الوقتَ، أو المكانَ، فللهِ عزَّ وجلَّ الحقُّ في قبولِها أو ردِّها، فهو سبحانه وتعالى ربُّ العرشِ العظيمِ  ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.
 
ولقد تأمَّلتُ في الفرقِ بين الاستعاذةِ والاستجارةِ في القرآنِ والسنَّةِ، فوجدتُ ثلاثةَ فروقٍ:
 
أوَّلُها: أنَّ الاستعاذةَ لا تُطلبُ إلَّا من اللهِ عزَّ وجلَّ دون غيرِه، بينما تُطلبُ الاستجارةُ من اللهِ أو من البشرِ.
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾.
قال ابن تيمية: “الاستعاذةُ لا تكونُ إلَّا باللهِ، في مثلِ قولِ النبيِّ ﷺ: (أعوذُ بوجهِك)، و(أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ)، و(أعوذُ برضاكَ من سخطِك)، ونحوَ ذلك، وهذا أمرٌ متقرِّرٌ عند العلماء”. اهـ
 
ثانيها: أنَّ الاستعاذةَ تستلزمُ ذِكرَ ما يُستعاذُ منه، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾.
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ ﴾.
﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) ﴾.
وروى أحمدُ في مسنده، بسنده، عن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ في آخرِ وِترِه:: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ “. [6]
تأمَّلْ كلَّ هذه الأدلَّةِ، فستجدْ أنَّ الاستعاذةَ من شيءٍ معيَّنٍ يجب أن يذكرَه المستعيذُ، أمَّا الاستجارةُ فتكونُ عامَّةً، وليست مُخصَّصةً بشيءٍ.
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ﴾.
﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾.
ثالثُها: إنَّ الاستعاذةَ هي طَلَبُ الأمانِ بدَفْعِ الضَّرَر، أيْ: تَمْضِي في الأمرِ مُطْمَئِنًّا، فإنْ أَصابَكَ شيءٌ فلنْ يَضُرَّكَ.
أمَّا الاستِجارَةُ، فهي طَلَبُ الأمانِ بالضَّمان، أيْ: امْضِ في الأمرِ، ولا خَوْفَ عليك، فإنْ أَصابَكَ شيءٌ وأَضَرَّكَ، فسنَضْمَنُ لك استِرْدادَ حَقِّكَ.
لذلك، فالاستعاذةُ لا تُطْلَبُ إلَّا من اللهِ، أمَّا الاستِجارَةُ فتُطْلَبُ من البَشَر.
وبَعْدَ التأمُّلِ في ذلك، والبحثِ في معنى «أعوذ»، أستطيعُ أن أقول: إنَّ الاستعاذةَ تَعني اللُّجوءَ إلى اللهِ طَلَبًا للأمانِ بدَفْعِ الضَّرَر.
 
واللهُ أعلَم.


 
قوله ﴿ بِاللهِ ﴾.
 “الباءُ” حرفُ جرٍّ، وهي تدل على معنى واحدٍ، وهو الأساسُ في الشيء.
فهذا الحرفُ يدل على أن الاستعاذةَ لا تُطلب إلا من اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يقدر على تحقيقها إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
قال أبو كندا: ميَّز الله عز وجل العرب بكونهم أميين، فكانت كلمتهم عهدًا لا يُنقض، وكأنها عند الأعاجم مكتوبةٌ في ورقة، مشهودٌ عليها بشهادةِ اثنين، وموثَّقةٌ عند المحامي.
ولهذا، كانوا يدقِّقون في كل حرفٍ يُقال، ويصفون لك المشهد كما هو، دون الحاجة إلى رسمه، بل يعتمدون على الكلمات، والحروف، والصوت.
ومن ذلك الفهم، وضعت نظريةً أجريها على لغة العرب، وهي أن كلَّ كلمةٍ تختلف عن الأخرى ولو بحرفٍ واحد، فإن لها معنًى مستقلًّا، وإن تقاربت دلالتهما.
كذلك، فإن كلَّ حرفِ جرٍّ يحمل معنىً ثابتًا، لا يتغيَّر ولا يتنوع، وإن أمكن استنباط معنى مقارب له من خلال السياق، لتيسير الفهم لغير العرب فقط.
وبناءً على ذلك، أقول: إن “الباء” حرفُ جرٍّ يدل على أساسِ الشيءِ الذي يقومُ به ولا يستقلُّ دونه.
فإذا قلت: “مَسَحْتُ بِيَدَيَّ الْمِنْدِيلَ”، فُهِمَ أنك مسحت المنديل بيدك، فالباء دلَّت على أن اليد هي الماسحة، والمنديل هو الممسوح.
أما إذا قلت: “مَسَحْتُ يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ”، فُهِمَ أنك مسحت يدك بالمنديل، فالباء دلَّت على أن المنديل هو الماسح، واليد هي الممسوحة.
وعليه، فالباء ترفع من شأن الاسم بعدها، وتجعله عماد الفعل ومفتاح المعنى.
وإليك مثالًا من القرآن: اقرأ قول الله عز وجل:  ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ .
فقال اللهُ عزَّ وجلَّ هنا: ﴿ بِقِنْطَارٍ ﴾ و﴿ بِدِينَارٍ ﴾، ولم يقل: “على قنطار” أو “على دينار”، مع أنَّ أكثرَ أهلِ اللغةِ والمفسِّرين يرَون أنَّ معنى «الباء» هنا هو الاستعلاء، أي بمعنى «على».
وأما العربيُّ، فإذا سمع قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾، عَلِمَ أنَّ من أهلِ الكتابِ أناسًا أصلُهم ومبدؤهم الخيانةُ؛ فلو اؤتُمِنَ أحدُهم على أقلَّ من الدِّينار، كالدِّرهم، لصعب استرجاعُه منه، ولن يؤديه إلا بعد مشقةٍ وإلحاح.
كلُّ هذا يَفهَمُه العربيُّ دون حاجةٍ إلى شرحِه؛ فبمجرَّد سماعِه «الباء» يُدرِك ما تُشير إليه، دون إطالةٍ في الشرح، وإنْ سمع «على»، فسيستنبط المعنى ويتصرف وفقًا له.
أرأيتَ كيف دلَّ هذا الحرفُ على معانٍ عظيمةٍ، واختصر كثيرًا من العباراتِ في حرفٍ واحد؟
فـ«الباء» تدلُّ على أنَّ المذكورَ بعدها هو الأساسُ في المعنى، وعليه يُبنى الفهمُ.
وإليك مثالٌ آخر: لو سمع العربي قول الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ  ﴾، لأدرك أن الأصل في الرأس عند الوضوء هو المسح، ولفهم أنه إن وُجد على الشعر شيءٌ لاصق، فلا يلزمه إزالته، ولو زرع شعرًا، فلا يجب إيصال الماء إلى عروقه، بل يكفيه المسح فقط.
لذلك، لبَّد الرسول ﷺ رأسه عندما أحرم، وأهَلَّ بالحج في ميقات ذي الحليفة، قبل دخول ذي الحجة بعدة أيام، ولم يحلق شعره إلا يوم العاشر من ذي الحجة.
فروى مالك في موطأه بسنده عن حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ فَقَالَ: ” إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ “.[7]
قال القنازعي: “وصِفَةُ التلبيد أن يأخذ الرجل الصمغ، فيُحِلُّهُ في الماء، ثم يحمله على شعر رأسه، فيشتدُّ ذلك الصمغ على الشعر، ويصير كالسَّطح، يمنع الغبار أن يصل إلى جلد الرأس.” أهـ.
وقال ابن بطَّال: “والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، ليمنعه ذلك من الشعث.” أهـ.
قال أبو كندا: ومع ذلك، مسح الرسول ﷺ رأسه عند الوضوء وصلى، ولم يُزل التلبيد إلا بعد عدة أيام.
ولهذا، قال الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ  ﴾ بـ”الباء”، ولم يقل: “امسحوا رؤوسكم.”
أمّا من قال إنّ “الباء” هنا للتبعيض، أي أنّها بمعنى “من”، فقولٌ غيرُ صحيح؛ إذ لم يُنقل عن الرسول ﷺ أنّه مسح بعضَ رأسه في الوضوء، ولو مرّةً واحدة.
فقد كان ﷺ يمسح رأسه كاملًا، فإن كان عليه عمامة، مسح على رأسه كلّه بالعمامة، كما يفعل إذا كان مُلبَّدًا.
وأمّا من قال إنّ معناها الأصليّ “الإلصاق”، فحديث التلبيد يُبيِّن خطأه؛ فالرسول ﷺ مسح على التلبيد، والصمغُ يعزل الماء عن الرأس، فيمنعه من الملاصقة.
والعجيب أنّ الشافعيَّ يرى “الباء” هنا للتبعيض، فيُجيز مسحَ بعضِ الرأس، بينما يوجب مسحَ الوجه كاملًا في التيمم، مع أنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾.
وحين علمتُ أنّ الشافعيَّ أجاز مسحَ بعضِ الرأس، لأنّ الرسول ﷺ مسح على العمامة، أدركتُ أنّه لم يُفسِّر “الباء” في ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ بالتبعيض.
إذًا، “الباء” تدلّ على أنّ هذا الأمر المقصود هو الأساس في المعنى، ويُبنى عليه الفهم.
وعلى هذا المعنى، يفهم العربيُّ إذا سمع من يقول: “أعوذ بالله”، أنّ هذا القائل ينسبُ أساسَ الاستعاذة إلى الله، فلا تطلب من غيره.
 
والله أعلم،،،


 قوله ﴿  بِاللهِ ﴾.
قال أبو كندا: والعرب تُطلق اسم «الإله» على كلِّ من تظنُّه قادرًا على جلب النفع الغيبي أو دفع الضرر الغيبي.
لذلك، أطلقوا اسم «الآلهة» على أصنامهم، وأوثانهم، وطواغيتهم، معتقدين أنَّها تشفع لهم، أو تضرهم، أو تنفعهم غيبيًّا، فكلُّ قبيلةٍ اتخذت «آلهة» تخصها، تلجأ إليها في طلب النفع الغيبي، وتستدفع بها الضرر الغيبي.
ومع ذلك، اتفقوا على أنَّ اسم «الله» خاصٌّ بالإلهِ الذي في السَّماءِ.
وقال الواحدي : وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل، وابن كيسان وأبو بكر القفال[8]، والحسين بن الفضل[9] إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أ،هـ
وقال الراغب: فأما لفظة: الله، فيجب أن يعلم أن اسماء الله تعالى كلها مشتقة باتفاق أهل اللغة إلا لفظة الله، فإنه مختلف فيها: فبعضهم جعلها كالعلم مستدلاً بأنه يوصف ولا يوصف به كالأسماء الأعلام. أ، هـ[10]
قال أبو كندا: هناك سؤالٌ لا أعرفُ إجابته، وهو: لِمَ أمرنا الله عند قراءة القرآن بالاستعاذة بالألُوهِيَّة، فقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾، بينما أمر في سورة الفلق بالاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة، فقال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾، وفي حديث الاستعاذة عند النزول، وردت الاستعاذة بكلمات الله: «أعوذُ بكلماتِ اللهِ»؟
الذي أعرفه أنَّ هناك مفهومًا أدركه العرب في ذلك الوقت، ولم ندركه نحن الآن، وأعلم أنَّه سيأتي أحدٌ يُدْرِكُهُ لِكَثْرَةِ قراءته في معاني القرآن، ومعاني الأحاديث، وسنن كلام العرب في ذلك الزمان. لذلك، أشارككم نَتاجَ تأمُّلي في هذه المسألة، وهو اجتهادٌ قد يكون خطأً أو صوابًا.
أقول، والله أعلم: خُصَّت الاستعاذة بالألُوهِيَّة عند قراءة كلام الله – عزَّ وجلَّ – لأنَّ الشيطان مبتغاهُ أن يُخرج الإنسان من عبادة الله إلى عبادة غيره، أو أن يدفعه إلى الكفر بالله، فناسب ذلك الاستعاذة بالألُوهِيَّة.
أمَّا الاستعاذة بالرُّبُوبِيَّة في سورتي الفلق والناس، فهي استعاذةٌ من الشرور الدنيوية، فناسبَ ذِكرُ الرُّبُوبِيَّة؛ لأنَّ الرَّبَّ هو السيِّد والمصلح والرازق.
 
والله أعلم،،،


 
قوله [مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ] .
قال أبو كِنْدا: حرف «مِن» هو حرفُ جرٍّ، وله معنى واحد فقط وهو التبعيض، وهذا هو الأصل.
وأمّا من زعم أنّ معناها الغاية، فقد التبس عليه المعنى؛ لأنّ معنى الغاية يُفهَم من تركيب الجملة وسياقها، لا من دلالة «مِن» وحدها. ومع ذلك، فإنّ فيها دلالةً على التبعيض.
فلو قال قائلٌ: «رحلتُ مِن مكّة»، فلا يعني ذلك أنّه رحل من مكّة جميعَها، بل كان في موضعٍ منها – وهذا هو البعض- فرحل عنه.
وإن زعم آخر أنّها لبيان الجنس، قلنا: بيانُ الجنس هو بيانُ بعضٍ من شيءٍ.
وتبقى دلالة «مِن» قائمةً إذا وضع بعدها مصدر، والمصدرُ هو ما دلّ على معنى الفعل مُجرّدًا عن الزمان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾
قال أبو كِنْدا: أي أصبح ذِكرُ اللهِ على القاسية قلوبُهم نوعًا من الوَيل، أو بعضًا من الوَيل. فقسوةُ قلوبهم ليست من ابتعادهم عن ذكر الله، بل لتكذيبهم وكفرهم وفُجُورهم، فجعل اللهُ ذكرَه كأنّه يُحْرِقُهم كشياطين الجنّ، وهو كما قال الله عزّ وجلّ في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وكذلك «مِن» في قول الله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾. فالله عزّ وجلّ خصّ هنا الإطعامَ عند الجوع، مع أنّه يُطعمهم في حالِ الشَّبَع، لبيان حاجتهم إليه، وأنّهم ليسوا بشيء. وخصّ الأمنَ عند الخوف، مع أنّه آمنهم في خشيتهم ورهبتهم، لبيان حاجتهم إليه، كما تقول: كسوتُك مِن عُرْيٍ، والتخصيصُ يُعدّ تبعيضًا، وهنا يتبيّن لك أنّ حرف الجر «مِن» أصلُه للتبعيض.
قال أبو كندا: “فلو قال قائلٌ: أَفَنَفهمُ من كلامك هذا أنَّنا نستعيذُ بالله من بعضِ الشيطان، وليس كُلِّهِ؟!”
أقولُ لك: إنَّ الشيطانَ طلبَ من اللهِ عزَّ وجلَّ، ف ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾.
وقال الرسول ﷺ ” إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ “.[11]
فاللهُ عزَّ وجلَّ إلهٌ ومَلِكٌ وحَكَمٌ، وقد قضى أنَّ الشيطانَ سيأتيك، وقد يصيبك، وهذا حُكمٌ من اللهِ قد قضاه، ولا مفرَّ منه.
وأمَّا تقديرُ ضَرَرِ هذه الإصابة، فقد جعلَ لك الخيارَ فيها؛ فإن استعذتَ به، دفعَ الضررَ، وإن لم تستعذْ به، استمرَّ الضَّررُ فيكَ حتى يأذنَ اللهُ عزَّ وجلَّ بدفعه.
لذلك، إذا استعذتَ باللهِ من الشيطان، فأنتَ تستعيذُ من ضَرَرِ الشيطانِ كُلِّهِ، لأنَّ ضررَ الشيطانِ متعدِّدٌ، مُتَنَوِّعٌ، ولا نستطيعُ أن نحصرَه.
ومن أنواعِ ضررِهِ: شَرُّه، وشِرْكُه، ووَسْوَسَتُه، وفِتْنَتُه، وهَمَزاتُه، ونَفَثاتُه، ونَفْخاتُه، وتلبيسُه.
فالأفضلُ والأكملُ أن يكون التعوُّذُ منه عامًا دون تخصيصٍ عند قراءةِ القرآن، لدفعِ ضَرَرِه
والله اعلم،،،


قوله ﴿ الشَّيْطَانِ ﴾.
مشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ؛ فهو بعيدٌ بطبعِه عن طباعِ جنسِه، وبفسقِه بعيدٌ عن كلِّ خيرٍ.

قال أبو جعفر:
والشيطانُ ـ في كلامِ العربِ ـ كلُّ متمرِّدٍ من الجنِّ والإنسِ والدوابِّ، وكلُّ شيءٍ، قال ربّنا جل ثناؤه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ  ﴾ ، فجعل من الإنس شياطينَ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
ثم قال: وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير. وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شَطَنَتْ دَاري من دارك – يريد بذلك: بَعُدت. فكأن الشيطان – على هذا التأويل – فَيعَال من شَطَن.أ،هـ

قال أبو كندا: والشَّيطانُ في لُغةِ العربِ مُشتقٌّ من «شَطَنَ» إذا بَعُدَ؛ فهو بعيدٌ بطبعِه عن طِباعِ جِنسِه، وبعيدٌ بِفِسقِه عن كلِّ خيرٍ.
ولهذا يسمّون كلَّ ما تمرَّدَ من جِنِّيٍّ وإنسيٍّ وحيوانٍ شَيْطَانًا. قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾.
 وكما في مسند أحمد بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : ” يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ : الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ “. فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ : ” إِنَّ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ “.[12]
قال أبو كندا: وبِلا شَكٍّ، فَإِنَّ شيطانَ الجنِّ كَافِرٌ، لأنَّه يُخالِفُ جِبِلَّةَ الملائكةِ. وأمَّا شيطانُ الإنس، فقد يكون مُسْلِمًا.
ويدلُّ على ذلك ما روى مالك في الموطأ بسنده عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ : ” إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ “.
وأمَّا المقصودُ في هذهِ الاستعاذةِ فهو إبليسُ؛ لأنَّ «ال» في «الشَّيطانِ» للعهدِ لا للجنسِ.

والله اعلم،،،