تأويل قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
قال أبو كندا:
اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ الله جلّ ثناؤه إذا أمر عباده بأمرٍ في كتابه، فإنّما يُحمل أمرُه على ما بيّنه رسولُه ﷺ، إذ كان المبيِّنَ عن الله، والدالَّ على مراده، لا يُقدَّم بين يديه قولُ أحدٍ من الناس.
فإذا قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
فالأصلُ في الاستعاذة أن تُؤخذ من بيان النبي ﷺ؛ لأنّه المأمورُ ببيان الكتاب، وقد قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
روى البخاري عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ:
اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ” إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ “. فَقَالُوا: لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
ثم انظر ـ رعاك الله ـ كيف يلتئم هذا البيان النبويّ مع قوله تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾،
فكأنّ الحديث تفسيرٌ عمليٌّ للآية، فالقرآن يأمر، والسنة تبين، والعبد بين الأمر والبيان يتعلم كيف يدفع نزغ الشيطان قبل أن يستحكم، ويطفئ شرارة الغضب قبل أن تصير ناراً.
فدلّ قولُ الله عز وجل، وقولُ رسوله ﷺ، على أن الاستعاذة ليست همسةَ لسانٍ تجري بها العادة، ولا كلمةً يُلقيها المرء كما يُلقي ما لا يعبأ به، ولكنها اعتراف بالضعف أمام شيطان يجري في جسمه مجرى الدم ، فلا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه إلا بالالتجاء إلى ربّه، والاعتصام بحوله وقوته .
فـ«أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ» ليستِ استفتاحَ تلاوةٍ فحسبُ، بل هي أمانٌ من كيدِ الشيطانِ عند قراءةِ القرآنِ؛ فمن غفل عنها عرَّض قلبَه للزيغِ .
فتأويل قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
إذا أردتَ قراءةَ القرآنِ، وأخذتَ في الشروعِ فيه، فاستعِذْ بالله من الشيطان الرجيم، فتقولُ: «أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم»
قال أبو كندا: فالعربُ، فيما جرى به كلامُهم واستقام عليه عُرفُهم، أنّ الشرطَ إذا جاء، وجاء جوابُه من أفعالِ العملِ، حُمِل الجوابُ على أوّلِ الشروعِ في ذلك العمل، ولم يُؤخَّرْ إلى تمامِه ولا إلى انقضائِه.
ألا ترى أنّهم يقولون: «إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبِّرْ»؟ فتكونُ التكبيرةُ عند أوّلِ القيامِ إليها، لا بعد الفراغِ من أفعالِها. فهذا جارٍ على سَنَنِ كلامِهم؛ يُحمَل عليه الخطابُ، ويُفهَم به مرادُ المتكلِّم؛ إذ العِبرةُ بما تعارفوه في لسانِهم.
قال الثعلبي في تفسيره: فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لنص القرآن. أ،هـ .
وقال ابن عطية ” وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد». ونحو هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول إنه لا يجوز “. أ، هـ
قال أبو كندا: فلما تبين اختلاف الصيغ، وجب ردُّها إلى ميزان الأثر.
وأشهر ما نُقل من الصيغ الأخرى قولهم:
«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»،
و «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه».
غير أنّ هذه الصيغ وإن زُخرفت بأسماء الله الحسنى، فلم يثبت فيها نصٌّ صحيح عن النبي ﷺ، وما كان في الدين توقيفيًّا لا يُؤخذ بالذوق، ولا يُبنى على تحسين السمع.
وقد وردت فيها أحاديث، أكثرها معلولٌ بضعف الرواة، أو بانقطاع السند، أو بجهالة بعض رجاله، فما من روايةٍ في هذا الباب إلا وقد اعترضها سيفُ النقد، فلم تسلم من جرحٍ ولا علّةٍ، حتى قال الناظر فيها: «كلّها لا تقوم بها حُجّة»
وإليك الروايات وعللها :
روى أحمد : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وَكَبَّرَ، قَالَ : ” سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ “، ثُمَّ يَقُولُ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ ” ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ : ” أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ “.
< قال أبو كندا: لا أحتج بهذه الرواية، ففيها جعفر بن سليمان، وهو ثقة في روايته عن ثابت البناني فقط، وأما في غيره فهو ضعيف. وهنا يروي عن علي بن علي اليشكري >
وروى أحمد: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ” مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، إِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي، كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ “.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها خالد بن طهمان ليس بثقة >.
وروى أحمد: عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، وَسَبَّحَ ثَلَاثًا، وَهَلَّلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَشِرْكِهِ “.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده مبهم >.
وروى أحمد: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ: ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ “. قَالَ عَمْرٌو: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها عاصم العنزي مجهول >.
وروى أحمد: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ” اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا – ثَلَاثًا – الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – ثَلَاثًا – اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ “. قَالَ حُصَيْنٌ: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ صَاحِبَ الْمَسِّ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندهاعباد بن عاصم مجهول وقيل انه هو عاصم العنزي >.
وروى أحمد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْثِهِ، وَنَفْخِهِ “. فَهَمْزُهُ: الْمُوتَةُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ.
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سندها محمد بن الفضيل روى عن عطاء بن السائب ومحمد بن الفضيل مضطرب إذا روى عن عطاء بن السائب >.
وروى ابن وهب ( 197 هـ )في كتابه الجامع : قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ: شَكَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَنْسَى الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ وَالْعَلِيمُ، وأعوذ برب مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ إِنَّكِ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ بِالْقُرْآنِ بَصَرِي، وَأَطْلِقْ بِالْقُرْآنِ لِسَانِي وَاشْرَحْ بِالْقُرْآنِ صَدْرِي، وَأَفْرِجْ بِالْقُرْآنِ عَنْ قَلْبِي وَاسْتَعْمِلْنِي بِهِ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي؛ فَقَالَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ النِّسْيَانُ.
وكل هذه الروايات عن الرسول ﷺ لا يُحتج بها.
أما الروايات عن التابعين، فقد رواها ابن أبي شيبة في مصنفه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي، وَأَنَا أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: ” قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ “.
< قال أبو كندا: لا تصح هذه الرواية، ففي سنده عبد الله بن مسلم بن يسار وهو مجهولٌ >.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، أَوْ «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
< قال أبو كندا: لا احتج بهذه الرواية ففي سنده عنعنة ابن جريج >.
عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سرين أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا، وَيَقُولُ فِي تَعَوُّذِهِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَحْضُرُونِ».
< قال أبو كندا: الرواية صحيحة، ومع أن رواية محمد بن سرين صحيحة إلا أن قول الرسول ﷺ مقدم على قول التابعي >.