تتجدَّد مسألةُ الزكاة عند دخول شهر رمضان، فتكثر فيها المراجعات، وتتنوَّع الأسئلة: لمن تُدفع؟ وأين تُصرف؟ ومن أحقُّ بها؟ وكلُّ ذلك رغبةً في براءة الذمَّة، وابتغاءَ القبول عند الله، واحتياطًا للدين، ألَّا يُؤخذ منه شيءٌ على وجه الغلط أو الهوى.
ولو علم السائلون أنَّ من تمام الزكاة، بل من واجبات إقامتها، أن تُؤدَّى إلى وليِّ الأمر، إذ هو القائم بأمر المسلمين، والمتولِّي جمعها ووضعها في مصارفها الثمانية التي شرعها الله، لانقطع عنهم كثيرٌ من هذا التردُّد والاختلاف.
فأمَّا المكلَّف، ففرضُه الإيتاء لا القِسمة، والأداء لا التدبير؛ فإذا أدَّى الزكاة إلى إمام المسلمين، فقد استوفى ما عليه، وبرئت ذمَّتُه عند الله، وانتقل الحقُّ — أعني عبءَ التوزيع — من عنقه إلى عنق وليِّ الأمر.
قال أبو كندا: الدليلُ الأوَّل على ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
فدلَّ لفظُ «خُذْ» على أنَّ الأخذ لا يكون إلا ممَّن ثبتت له يدُ الأمر، وقامت له صفةُ الإمامة، وكان قولُه مسموعًا، وأمرُه مطاعًا؛ وذلك رسولُ الله ﷺ ابتداءً، ثمَّ من قام مقامه من ولاة أمور المسلمين، إذ لا فرق في المعنى، ولا انفصال في الحكم، لاتِّصال الولاية واتِّحاد العلَّة.
قال الواحدي في تفسير هذه الآية: «والإمامُ أولى بأن يتولَّى أخذَ الصدقات». اهـ.
قال أبو كندا: والدليلُ الآخر على أنَّ الزكاة يأخذها وليُّ أمر المسلمين ما رواه البخاري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، وممَّا قال له: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم».
وفي رواية: «فإذا أطاعوا بها، فخُذْ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس».
وذلك أنَّ النبي ﷺ لمَّا قال: «تُؤخذ من أغنيائهم»، وقوله: «فخُذْ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس»، لم يذكر الأخذ ذكرًا مطلقًا، ولا أرسله إرسالًا مهمَلًا، بل قيَّده بصفةٍ تُشعر بالسلطان، وتدلُّ على الولاية؛ إذ ليس كلُّ آخذٍ آخذًا، ولا كلُّ تناولٍ يُسمَّى أخذًا في لسان العرب. فإنَّ الأخذ إنَّما يكون لمن له يدٌ نافذة، وأمرٌ مطاع، وحكمٌ جارٍ، لا لمن يستعطي أو يقبل ما يُعطى.
فلمَّا وصف الزكاة بأنَّها مأخوذة، دلَّ ذلك على أنَّ لها آخذًا موصوفًا بالقهر الشرعي لا بالاختيار، وبالاستيفاء لا بالمسألة، وبالولاية لا بالتراضي.
ولذلك قال ﷺ: «وتوقَّ كرائم أموال الناس»؛ ولو كان الأخذ موكولًا إلى آحاد الناس، لما كان للتوقِّي معنى؛ لأنَّ من لا سلطان له لا يُخشى عسفُه، ولا يُتصوَّر منه إجحاف.
ولكنَّما خيف عليه لأنَّه وليُّ أمر؛ والوليُّ إذا أخذ، نفذ أخذُه، وإذا جار، لم يُدفع جورُه إلا بعسر.
وهذا الوصف ينفي أن تكون الزكاة أمرًا مفوَّضًا إلى هوى المزكِّي، يضعها حيث شاء، ويصرفها كيف أحبَّ؛ إذ لو كان ذلك كذلك، لقيل: تُعطى من أغنيائهم، أو تُبذل من أموالهم، ولم يُقَل: تُؤخذ.
فكلُّ قولٍ يذهب إلى إسقاط يد الإمام، أو إلى جعل الزكاة صدقةً محضةً لا تعلُّق للسلطان بها، فقد ناقض هذا الوصف، وخالف دلالة اللفظ، وردَّ الحديث من حيث لا يشعر؛ لأنَّ الحديث، بحدوده وأوصافه، قد أحاط بالمعنى إحاطةَ السوار بالمعصم، فلا يقبل زيادةً تُفسده، ولا نقصانًا يُخلُّه.
وهذا من بديع البيان النبوي، إذ أُوتي ﷺ جوامع الكلم، فجعل اللفظة الواحدة قائمةً مقام الفصول الكثيرة، والدلائل المتفرِّقة؛ فكانت كلمة «تُؤخذ» وحدها كافيةً في إثبات الوجوب، وتعيين الجهة، وردِّ الخلاف.
قال ابن دقيق العيد: «وقد يُستدلُّ به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام؛ لأنَّه وصف الزكاة بكونها مأخوذةً من الأغنياء، فكلُّ ما اقتضى خلاف هذه الصفة، فالحديث ينفيه».
قال أبو كندا: والدليلُ الثالث على وجوب إيتاء الزكاة إلى وليِّ أمر المسلمين ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمَّا تُوفِّي رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تُقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم منِّي مالَه ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله»؟
فقال: «والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعها».
قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنَّه الحق.
فتأمَّل — رعاك الله — قول أبي بكر رضي الله عنه: «والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعها».
أما سألت نفسك: لِمَ لم يقل أبو بكر رضي الله عنه: اجعلوا زكاتكم بينكم، ولا تؤدُّوها إليَّ، واكفونا القتال، وادفعوا عن أنفسكم السبي والقتل؟
ولا سيَّما أنَّ قتالهم إنَّما وقع بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى جوار ربِّه، وأكثر الصحابة يومئذٍ مع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه، والدولة حديثة العهد بالمصيبة، مضطربة الأركان، لم تُحكِم بعدُ عُرى السياسة، ولا استقام لها الأمر.
ثمَّ إنَّ طائفةً من الصحابة رضي الله عنهم كانت ترى الكفَّ عن قتالهم، لاستظهارهم بشهادة أن لا إله إلا الله، محتجِّين بما صحَّ عن النبي ﷺ.
أما تساءلت: لِمَ اختار أبو بكر رضي الله عنه أشقَّ الأمور، وأصرَّ على قتالهم؟
أَلأنَّهم خرجوا عليه بمنعهم الزكاة؟ أم لأنَّ تأدية الزكاة إلى الوالي ركنٌ في الزكاة؟
وكلا الجوابين يُلزم القول بوجوب تأدية الزكاة إلى وليِّ الأمر، وبوجوب أخذ وليِّ الأمر لها.
قال ابن كثير: «أمر الله تعالى رسولَه ﷺ أن يأخذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتُزكِّيهم بها… ولهذا قاتلهم الصديق وسائر الصحابة حتى أدَّوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ». اهـ.
قال أبو كندا: والدليلُ الرابع على أنَّ وليَّ أمر المسلمين هو الواسطة بين الزكاة ومصارفها أنَّ الله تعالى قال: ﴿وآتوا الزكاة﴾، ولم يقل: أعطوا؛ لأنَّ الإعطاء يكون مباشرًا يدًا بيد، وأمَّا الإيتاء فهو إيصالٌ بتدرُّج.
فدلَّ ذلك على أنَّ تصرُّف العرب في أصل «أتى» لا يقتضي المباشرة، وإنَّما يدلُّ على التدرُّج في الإيصال.
وممَّا يدلُّ على أهميَّة تأدية الزكاة إلى وليِّ الأمر أنَّ الله تعالى جعل من مصارف الزكاة: ﴿والعاملين عليها﴾؛ ولو كانت الزكاة تُؤدَّى بلا سلطانٍ يجبي، ولا إمامٍ يرتِّب، لما كان للعامل معنى، ولا لذكره فائدة.
وفي ختام القول، أرى — والرأي مشفوع بالأثر — أن يجعل الإمام للزكاة شهرًا معلومًا، تُجمع فيه الأموال، وتُستخرج منه الحقوق، كما روى مالك في الموطأ بسنده أنَّ عثمان بن عفَّان رضي الله عنه كان يقول: «هذا شهر زكاتكم؛ فمن كان عليه دين، فليؤدِّ دينه حتى تحصل أموالكم، فتؤدُّون منها الزكاة».
وفي ذلك إحكام للأموال، وبراءة للذمم، وحسن سياسة للرعية .
كتبه
ماجد بن محمد العريفي
20-2-2026