لما ارتفعت نبرة الغضب، وهاجت النفوس عقب آخر مقال نشر، رأيت الامساك أولى، والكف أحزم، فآثرت أن أضع القلم عن سائر المقالات التي كانت مهيأة للإرسال تتمة للكلام في صلاة التراويح، إذ ليس كل حق يقال، ولا كل وقت يصلح لبسط الحجة واظهار البيان.

فمن خاف من الجمهور سلم،
فما حيلة المضطر الا ركوبها،

ولعلي، ان مد الله في الاجل وبلغنا قابل العام، اعود الى اتمامها، رجاء ان تقع تلك المقالات موقع القبول من قلب قد لان، ونفس قد هدأت، فتكون توطئة لقبول فعل رسول الله ﷺ، وان خالف ما استقر من عادات الاباء .


قال رسولُ الله ﷺ:
«إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ».

فيا باغيَ الخيرِ أبشِرْ، ويا باغيَ الشرِّ أَقْصِرْ.

وقال رسولُ الله ﷺ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

أتدري ما معنى «إيمانًا واحتسابًا»؟

قال أبو كِندا: معنى «إيمانًا» خوفًا من الله، وخشيةً له، فتفرّ إليه لا منه، وتطلب الأمان في حماه ، بالصيام والقيام.
كما قال أبو القاسم الحكيم: «مَن خاف شيئًا هرب منه، ومَن خاف الله هرب إليه».
وقال سهل التستري: «مَن خاف الله أمَّنه الله».

ولذلك قال رسولُ الله ﷺ:
«الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ ؛ فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ». < قال أبو كندا: الحديث حجة >

أي: إنّ الصيامَ ستر ووقاية للعبد ، لا تُدركه الأبصار، ولا يطّلع عليه الخلق، فإذا صام العبدُ كان في أمانِ الله وجواره، بشرط ألّا يرفث ولا يجهل؛ فإن شُوتِم أو قوتِل قال: «إنّي صائم»؛ لا فخرا ولا دعوى، ولكن إعلامًا، وتنبيهًا، وإنذارًا لمن شاتمه أنّه قد دخل في حِمى الله، ولزم جواره، واستظلّ بستره، فمن أراده بسوء فقد تعرّض لحِمى الله، وهتك جواره.
فإن تمادى الشاتم، فدَعِ الأمرَ إلى الله، فإنّه خيرُ حافظٍ، وخيرُ من يستجار به.

ولا يقلْ : «اللهم إنّي صائم»، إذ ليس المخاطَبُ ربَّ العالمين، وإنّما المخاطَبُ من شاتمه أو قاتله ، وقد أعذر من أنذر .

فأمّا إذا رفثَ وجهلَ، فقد خلع عن نفسه جُنّة الصيام، ولا أمانَ له عند الله، ولو صام الدهرَ كلَّه.

قال رسولُ الله ﷺ:
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

قال أبو كندا : قد زعم قومٌ من أهل العلم أنّه سترٌ من المعاصي وجُنّةٌ من الآثام، وجعلوه حجابًا بين العبد وبين الفواحش والآثام. وليس عندي هذا القول بمستقيم، ولا ذلك الرأي بسديد.
ولو كان الأمرُ على ما ادّعَوا، وأنّه عصمةٌ لازمة، وحرزٌ لا يُنقَض، لما اشترط ” فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ ” إذ الاشتراط إنّما يكون حيث يُتوهَّم الوقوع، ويُخاف الانحراف، ويُرجى الامتناع بالمنع. فأمّا ما كان ممتنعًا بذاته، ومحفوظًا بطبيعته، فلا معنى للاشتراط فيه، ولا وجه للتكليف به.

قال أبو كندا؛ وأمّا قوله: «احتسابًا» فمعناه: رجاءُ ما عند الله من الأجر؛ فتصوم وتقوم تطلب الأجر منه لا من غيره، وتقصد وجهه لا سواه، وتحتسب عملك عليه لا على خلقه؛ إذ الحسابُ من الكريم كرامةٌ، ومحاسبته إحسانٌ، ومجازاته فضلٌ، وعطاؤه جود وإحسان.

حتى إنّك لتفرحُ فرحًا عظيمًا إذا لقيتَ الكريمَ، فرحَ العارف بكرمه، الواثق بفضله، الطامع في عطائه،

لقول رسوله ﷺ فيما يرويه عنه :
«قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصِّيَامَ ؛ فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». < قال أبو كندا: الحديث حجة >

أتدري أنّ أجرَ الصيام ليس على حدِّ السبعِ مئةِ ضعف، بل هو فوق ذلك، لا يُحاط به عدد، ولا يُحدّ له أمد؛ لأنّه عملٌ خُصَّ به العبدُ ربَّه، فكان جزاؤه من فضل الله لا من عدل الحساب.

لذلك قال رسولُ الله ﷺ:
«لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ».

فإيّاكم — رحمكم الله — أن يخرجَ شهرُ رمضان ، وقد خرجتم منه صفرَ اليدين، لا إيمانًا حُصِّل، ولا احتسابًا وُجِد.
فتكونوا كما قال رسولُ الله ﷺ:
«كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ».

كتبه
ماجد بن محمد العريفي
6-2-2026