قال أبو كندا : لمّا تبيَّن لي أنّ في الناس من لا تتحرّك نفسُه لحديث رسولِ الله ﷺ، ولا يستيقظ قلبُه لفعله وتقريره، حتّى إذا جاءه الحقُّ مجرَّدًا أعرض عنه، وإذا أُسنِد إلى من تقدَّم من السَّلف قبِله، وصارت الحجّة عنده معلَّقةً بأسماء الرجال لا بكلام الرسول ﷺ؛
وجدتُني – على كراهةٍ منّي لذلك، ومباعدةٍ له عن طبعي – أذكر شيئًا من أقوالهم، لا اعتقادًا أنّها أقوى حجّةً من كلام النبي ﷺ، ولكن مراعاةً لعقولٍ لا تألف الحقَّ إلّا إذا جاءها في ثوب المألوف، ولا تسكن إلى الدليل حتّى يُعرَض عليها مشفوعًا بما ورثت عن الآباء.
هاكم يا من يهمه أقوال السلف وأعمالهم :
1- وروى مالك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ : يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. < قال أبو كندا الرواية صحيحة >
فانظروا، رحمكم الله، إلى فعلِ عمرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه، نظرَ متأمِّلٍ لا نظرَ مُقلِّد؛ فإنّه لمّا رأى اختلافَ الناس في القراءة، وخاف ما يخافه الأئمّة من تفرُّق الكلمة، أشار بجمعهم على قارئٍ واحدٍ، دفعًا للفتنة، وسدًّا لباب التنازع.
ثمّ لم يُخفِ ما أحدث، ولا لبَّسه اسمًا غير اسمه، بل سمّاه بدعةً صريحًا، وأجرى اللفظ على معناه. ثمّ ترك صلاة القيام معهم كل ليلة، فكان تركُه أبلغَ في الدلالة من فعله، وصمتُه أنطقَ بالحجّة عند من عقل.
فكيف يُجعل حجّةً ما سمّاه صاحبه بدعةً، ولم يلتزمه، بل خالفه بعمله، وصرّح بأنّ غيرَها أفضلُ وأولى.
2- وروى ابن أبي شيبة عن طاوس قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: دعاني عمر – رضي الله عنه- لأتغدى عنده – فسمع هيعة الناس حين خرجوا من المسجد قال: ما هي؟ قال: هيعة الناس حيث خرجوا من المسجد قال: ما بقي من الليل خير مما ذهب منه . < قال أبو كندا الرواية صحيحة >
قال أبو كندا : ومعنى [ لأتغدى ] اي العَشاء بعد صلاة العِشاء.
وها هنا إشارةٌ بيِّنةٌ إلى أنّ عمرَ وابنَ عبّاسٍ رضي الله عنهما، كانا يَرَيان قيامَ الليل في البيوت، كما أمر رسولُ الله ﷺ، لا في جماعةٍ بعد صلاةِ العِشاء.
فإن قيل: قد اجتمع الناس، قلنا: قد اجتمعوا على غير سنّة. وإن قيل: قد استحسنها عمر، قلنا: بل سمّاها بدعةً، وفرّق بين الرخصة والسياسة، وبين التعبّد والاضطرار.
وإن قيل: هي من عمل السلف، قلنا: السلف تركوها، ونصُّوا على ذلك بألسنتهم.
3- روى ابن ابي شيبة عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُومُ مَعَ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ» < قال أبو كند الرواية صحيحة >
4- وروى ابن ابي شيبة عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه أَقُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ:«تُنْصِتُ كَأَنَّكَ حِمَارٌ» < قال أبو كندا الرواية صحيحة >.
اعذروا ابنَ عمر رضي الله عنه ، فما اندفعت كلمته إلا اندفاع القلب إذا اشتعلت فيه نار الغَيرة للدين، ولا انبعثت إلا من نفسٍ رأت البدعة تُزاحم السُّنّة، فهاجت لها كما يهيج الأسد إذا انتهك حِماه.
وما كان ذلك عن طيش رأي، ولا عن فساد طويّة، ولكنها حدّة الإيمان إذا مُسَّ، وسَوْرة الغَيرة إذا أُوذيت، ونفورُ النفس الصادقة ممّا أُحدِث في دين الله وليس منه.
5- وروى مالك عن عروة أن ذكوان أبا عمرو وكان عبدا لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كان يقوم يقرأ لها في رمضان. < قال أبو كندا الرواية صحيحة >
عائشةُ زوجُ النبيّ ﷺ، دارُها لاصقةٌ بالمسجد، الجدارُ بالجدار، ومع ذلك تجعل عبدَها يؤمّها في بيتها، وتدع قيامَ الليل مع الجماعة في المسجد .
فإذا كان عمرُ وابنُ عبّاس وابنُ عمر وعائشة رضي الله عنهم قد تركوا قيامَ رمضان جماعة في المسجد، وهم أئمّةُ الهدى، فكيف يُستنكر اليوم على من اقتدى بهم.
ثم تتابعت الآثار عن أئمة التابعين وأهل الفتيا على هذا المعنى – واسمحولي أن اذكرها دون تعليق حتى لا تملوا:
6- وروى ابن أبي شيبة عن نافع قال «وَكَانَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ» < قال أبو كند الرواية صحيحة >
7- وروى الطحاوي عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ,قَالَ: «رَأَيْتُ الْقَاسِمَ , وَسَالِمًا , وَنَافِعًا يَنْصَرِفُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ , وَلَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ»
8- وروى الطحاوي في شرح معاني الاثار عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ , ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ , فَلَا يَقُومُ مَعَ النَّاسِ».
9- وروى ابن ابي شيبة عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي ،قَالَ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِي إِلَّا سُورَةٌ أَوْ سُورَتَانِ لَأَنْ أُرَدِّدَهُمَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ».
10- وروى عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَؤُمُّهُمْ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا يَؤُمُّهُمْ فِي صَلَاةِ رَمَضَانَ»وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ.
11- وروى ايضا عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلْقَمَةُ لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ»
12- وروى ابن أبي شيبة عن عُمَر بْن عُثْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ يَجِيءُ رَمَضَانُ، أَوْ يَحْضُرُ رَمَضَانُ، فَيَقُومُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ فَمَا تَرَى أَقُومُ مَعَ النَّاسِ أَوْ أُصَلِّي أَنَا لِنَفْسِي؟ قَالَ:«تَكُونُ أَنْتَ تَفُوهُ الْقُرْآنَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُفَاهَ عَلَيْكَ بِهِ» .
13- وقال مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وأنا أفعل ذلك.
14- وقال الشافعي: فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه “.
15- وقال أبو أمامة الباهلي: ” ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها “،ثم قرأ: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} إلى آخر الآية.
قال أبو كندا: لا أُوافِقُ أبا أُمامةَ على الاستمرار عليه؛ لأنّ ذلك يُعَدُّ في الشرع إِصرًا، والإِصرُ كان لازمًا في شرائع الأمم السالفة، وقد عُفِيَ عنه في شريعةِ محمّدٍ ﷺ، كما قال تعالى
[ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ]
كل هؤلاء – رحمكم الله – ليسوا من عامّة الناس، ولا من غوغائهم، بل هم من أئمّة الفتيا في بلدانهم، ومفاتيح العلم بها.
وكلهم تركوا البدعة والتزموا بسنة الرسول ﷺ .
ولهذا كلِّه أقول: إنَّ صلاةَ التراويحِ مع الجماعة بدعةٌ أُحدِثت، ليُكفَّ بها الناسُ شرَّ المتعمِّقين، فلا تُتَّبع على جهة السُّنَّة ولا تُلزَم لزومَ العبادة، إلا في ليالٍ معدوداتٍ من الشهر: ليلةِ ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين. كما في حديث أبي ذر والنعمان بن بشير رضي الله عنهما.
ففيها تُجمَعُ النساءُ والأهل، ويُقصَدُ المسجدُ قصدَ الطالبِ للغنيمة، ورجاءَ فضلِ ليلةِ القدر، وابتغاءَ إصابةِ هديِ الرسول ﷺ واتباعِ أثره، لا تعصُّباً لعادة، ولا إلفاً لهيئة، ولكن طلباً للفضل حيث وُضِع، واقتفاءً للسُّنَّة حيث ثَبَتَت.
كتبها
ماجد بن محمد العريفي
30-1-2026