كعادتي التي لا أكادُ أُقلِعُ عنها ، 

أقيمُ في ظلالِ حديثِ رسولِ الله ﷺ، أُقَلِّبُ ألفاظَه، وأتتبّعُ أسانيدَه، وأستنطقُ معانيَه. 

وكعادتي،

 أظنّ أنّي سأزعجُ بعضكم بهذه الرسالة، لا لفسادٍ فيها، ولكن لضيقِ صدورِهم عمّا لا يألفون.

وكعادة بعضِكم ،

يبعث إليّ بحروفٍ لو كانت سكاكينَ لكانت أهون، إذ هي حروفٌ تَكْلُمُ القلوبَ فهي أذىً لا يُرى، وجرحٌ لا يُداوى، وسهامٌ إن أخطأتِ القلب أصابتِ النفس.

وعلى غير عادتي اعترف لكم اليوم ، 

كنتُ، فيما سلف من أيامي، إذا ظفرتُ بحديثٍ صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ فرحتُ به فرح الفقير اذا وجد كنزًا دفينًا، فأبادر إلى نشره بين الناس، كأني أُقسم عليهم ميراثًا لا ينفد، وأهبهم درًّا لا يَبلى. 

أما اليوم، فقد تبدّل حالي، وصار الفرح قلقًا، والأنس وجلاً؛ 

فإذا وقفتُ على حديثٍ ثابتٍ قد طواه الناس إهمالًا، أو عرفوه ثم أعرضوا عنه تهاونًا، تردّدتُ أأقوله فأُتَّهَم؟ أم أكتُمُه فأقصر؟ أأنصر الحديث فأُحاصَر؟ أم أساير الجمهور فأسلم من أذاهم؟ 

إن تحسست جراحي التي لم تشفى بعدُ، 

فضلت السلامة ، 

وان تذكرت حديث رسول الله ﷺ ” ما مِن مَكْلُومٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللَّهِ إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ وكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ “. تشجعت .

وهي معركة خفيّة، لا يُسمَع لها صليل، ولا يُرى لها غبار، غير أنّها تستنزف الروح .

علمتني الأيام – يا كرام – ،

أن الحقيقة لا تُستقبل دائمًا بالتصفيق، 

وأن الحديث الصحيح قد يكون أثقل على الأسماع من الحديث الضعيف، ما دام الضعيف يوافق الهوى، والصحيح يربك المألوف.

فانتهى بي الحالُ إلى أن أخافَ سطوةَ الجمهور أكثرَ من هيبةِ الإمام؛ 

نعم، أعترفُ بذلك.

فالإمامُ — وإن اشتدَّ — هو عاقلٌ يعرف موضعَ الحُجّة، وعادلٌ يزن القولَ بميزانه.

وأمّا الجمهورُ فسلطانٌ لا عقلَ له؛ يُحاكِمُك في كلّ يوم، ويُعيد فتحَ القضيّة مع كلّ لفظة، ويقضي بلا بيّنة، ويُنفِّذ بلا استئناف؛ فيهم الجاهلُ الذي لا يعلم، والمتعصِّبُ الذي لا يفهم، والعامّيُّ الذي لا يُفرِّق، والأحمقُ الذي لا يعقل؛ فإذا اجتمع هؤلاء على رجلٍ، فكبِّر عليه أربعًا، 

حتى وإن رأيتَه حيَّ الجسد، 

فاعلم أن روحَه قد شُيِّعت إلى قبرٍ موحشٍ في زاوية غرفته، تراه منزويا فيها لا جليسَ له فيه ولا أنيس، إلا القرآن والحديث.

وحاله كحال من يقول

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذْ عوى

‏وصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

تبا للجمهور أشرسُ الوحوش فتكًا على الأرض .

نعود الى عادتنا في طرح المسائل والعود أحمد .

قال أبو كندا:

روى أحمد والبخاري في صحيحه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ : ” مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. < قال أبو كندا: الحديث حجة > 

الخبر ثابت وحجة ، والكلام واضح وضوح الشمس للاعمى والبصير.

قال الرسول ﷺ :

” فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

قال ” أيها الناس ” ولم يقل أيها الرجال ، أو أيها النساء ، ويفهم من هذا أن المقصود الرجال والنساء.

والرسول ﷺ كما تعلمون ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

اعتقد أني فاجئتكم بهذه المعلومة الأخيرة.

لذا دعونا نتأمل الحديث :

لمّا اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد في ليالي رمضان ، اتخذ حُجرةً في المسجد من حصير، أي انتخب موضعًا من المسجد، فأقام في نواحيه الحصيرَ، وسدّ به الأركان، ليحجب بصرَ الناس عنه، 

فصلّى فيها لياليَ من رمضان، يختلي بربّه، ويؤثر الخفاء، فإنّ العبادة إذا خفيت سَلِمت، وإذا أُعلنت فُتِنت.

فلمّا رآه الناس وسمعوا صوته عليه الصلاة والسلام غلب عليهم حبّ الاقتداء، فصلّوا بصلاته ، شوقًا إلى الخير ومسابقةً إلى الأجر – فهو خير إمام يتقدمهم – في الصلاة.

فلمّا علم بهم، ترك ما كان فيه، وأخفض صوته حتى لا يسمعوه ويصلون بصلاته .

وهذا من حياء ﷺ .

فلمّا احتجب عنهم، وفقدوا صوته، ظنّوا به النوم، فتنحنحوا بصوت عالي ليستخرجوه إليهم، وفي ذلك دليلُ شدّة رغبتهم، وحبّهم للاجتماع على عبادته. 

قال أبو كندا وما زالت [ النحنحة ] إلى الان وسيلة تخاطب ما بين المأموم والامام، – لكنك لن تجدها موجودة في المعاجم- ، 

تجد الان بعض الناس إذا دخل المسجد ووجد الامام راكع تنحنح بصوت عالي وكأنه يقول لا ترفع من الركوع حتى اركع معكم – 

فقال لهم رسول الله ﷺ : ” مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ “.

قال لهم ذلك على جهة الرحمة والشفقة بهم.

ثم قال لهم ناصحا مرشدا لما هو أصلح للناس كافة ” فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

انظر كيف ارشدهم على أنّ الشريعة تبنى على السَّعة واليسر والرفق لا على الحرج والعنت فلا تُحمِّل النفوس ما يَثقل عليها.

فأبان لهم ما نُبئ به من الله عز وجل ،وأخبرهم به فقال ” فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ “. 

أبان لهم علتين في صلاتهم معه.

العلة الاولى : الخشية من أن تفرض.

والعلة الاخرى : أن الخير والفضل في صلاة البيت إلا المكتوبة.

 أخرج [ الصلاة المكتوبة ] من هذا الباب، لأنّ لها شأنًا آخر، تُقام بها الجماعة، وتُظهَر بها الشعيرة.

وهذا من بليغ حكمته ﷺ؛ إذ جمع بين حفظ الجماعة في الفريضة، وحفظ الإخلاص في النافلة. 

فكأن الشرع يقول: أظهروا ما لا بدّ من إظهاره، وأخفوا ما يُخشى عليه من آفة النفوس.

وهناك حديث أخر ، رواه مسلم يثبت انزعاج الرسول ﷺ من صلاة القيام جماعة ، يذكره لنا أنس رضي الله عنه ، قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَامَ أَيْضًا حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ ؛ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ، فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ : قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا : أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : فَقَالَ : ” نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ “. قَالَ : فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ” مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ ؛ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ “.

سبحان الله !!!

قال أبو كندا: سَمّاهم رسولُ الله ﷺ المتعمِّقين، فجاء الاسمُ على قدرِ المعنى، وأصابَ موضعَ الداء من غير إفراطٍ في لفظٍ ولا تعسّفٍ في وصف. 

وأراه أبلغَ من قولهم: المتزمِّتون أو المتشدِّدون؛ لأنّ تلك ألفاظٌ تُهيِّج السمع ولا تُبيِّن العلّة، وتُخاصِم ولا تُقنِع.

فأمّا المتعمِّق فقد دلّ اسمه على غلوٍّ جاوز الحدّ، وطلبٍ للغائر قبل الأوائل، وكلفةٍ لما لا يُكلَّف، حتى يخرج بصاحبه من السَّعة إلى الحرج، ومن البيان إلى التكلّف.

فلذلك سأعتمد هذا الاسم، إذ كان نَبويًّا في أصله، عربيًّا في سبكه، دقيقَ الإشارة إلى المعنى، لا يَشتم ولا يُلبس، ولا يزيد على أن يضع الشيءَ في موضعه.

وبعد هذا كله ،

خرج علينا [المتعمقون] وأنكروا على من صلى قيام رمضان في بيته، وزعموا أنّ الاجتماع أولى، وأنّ المخالفة شذوذ، وأنّ الانفراد ريبة! 

وكأنّهم جعلوا ما استحسنه الناس أصلًا، ورضا الرسول تبعًا، وقدّموا العادة على العبادة، والجماعة على السنّة.

والشيطان – اعاذنا الله من شره – فقيهٌ بأبواب الشرّ، عليمٌ بمداخل النفوس، لا يأمرهم بترك الصلاة، ولكن يزيّن لهم صفةً منها تخالف الهدي، ويحبّب إليهم المخالفة باسم الاجتماع، لعل الله عز وجل لا يقبل منهم صلاتهم ولا دعائهم لمخالفة امر رسولهم ﷺ .

حتى إنّ الشيطان لم يقف عند هذا الحدّ، ولا رضي بالقليل، بل جاوز به إلى أن سوّل للنساء الخروج إلى المساجد لقيام الليل جماعة، لا ابتغاء طاعةٍ ولا طلب قربة، ولكن قصد – اعاذنا الله من شره – مخالفتهن لما قاله الرسول ﷺ، رجاء أن تحجب دعواتهن وترد اعمالهن.

فبلغ الشيطانُ من إحكام كيده أن أخرجهنَّ من بيوتهنَّ إلى المساجد حين كره رسولُ الله ﷺ ذلك، بل زيَّن لهم ذلك حتى رأوه صوابًا.

ثم لم يزل يداخلهم بالمكر، ويعالجهم بالوهن، حتى أقعدهنَّ عن الخروج إلى صلاة الجمعة؛ إذ كان الخروج طاعةً، وساعةَ استجابةٍ.

قال أبو كندا : حقيقة لا اتصور ان امرأة تخاف الله عز وجل وتسمع الله عز وجل يناديها للصلاة من يوم الجمعة ومع ذلك لم تستجب له طول حياتها.

أعلمُ أنَّ المتعمِّقين الآن قد تنرفزوا، وحَرَدوا، وغضِبوا، وأزبدوا؛ 

وذلك أمرٌ غيرُ مُنكَر، وطبعٌ جارٍ على العادة؛ فإنَّ النفوس إذا خولِفَت مألوفاتُها، ونُوزِعَت عوائدُها، ثارت، ونافرت، واستوحشت من الرأي المخالف قبل أن تنظر في حجَّته، أو تتأمَّل وجهَ صحَّته.

وقبل أن تُحدُّوا ألسنتكم أيها المتعمقون، اصبروا وتعوذوا بالله من الشيطان واقرأوا هذا الخبر الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، قَالَ : صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَقَالَ : إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَدَعَا أَهْلَهُ، وَنِسَاءَهُ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الْفَلَاحَ. قُلْتُ لَهُ : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ. < قال أبو كندا: الحديث حجة > 

أفرأيتم، رحمكم الله، كيف كان رسولُ الله ﷺ آخذًا بأيدي أصحابه ونسائه وأهله إلى أبواب الخير، لا يدعهم هملاً، ولا يحملهم على ما تمله النفوس وتضعف عنه الأبدان؟ كان حريصًا على هدايتهم، رفيقًا في تعليمهم، عالمًا بمواقع القلوب من الأعمال.

مكث في شهر رمضان اثنتين وعشرين ليلةً لا يجمعهم على قيام، كأنّه يدرّب القلوب على الشوق، ويُنمّي في الصدور رغبةً لا تُقسر، حتى إذا كانت ليلةُ ثلاثٍ وعشرين قام بهم، ثم أراحهم في الرابعة والعشرين، ثم قام بهم في الخامسة والعشرين، ثم أراحهم في السادسة والعشرين، ثم أحيا ليلة سبعًا وعشرين بجمع أهل بيته ونساءه ، ثم كفّ بعد ذلك، لا عن عجز، ولا عن فتور، ولكن سياسةً للنفوس، وحفظًا للسنّة، وهو العالم بما تُطيق النفوس وما تمله .

صلى بهم ثلاثَ ليالٍ، وهو غيرُ وَجِلٍ من أن تُكتَبَ عليهم فريضة، ولو كان في ذلك مظنّةُ إيجابٍ أو مخافةُ إلزام، لما جمع أهله ونساءه، ولا أبداه على رءوس الأشهاد، ولكنّه فعله فعلَ المطمئنّ إلى الحكم، الواثقِ بانقطاع الإيجاب، فكانت تلك الحالُ أصدقَ شاهد، وأبينَ قرينة، على أنّ هذا الفعل آخرُ الأمرين، وأنّ الحكم قد استقرّ والشرع قد بلغ إلى غايته في هذا الأمر.

أفلا يسعكم، بعد هذا البيان، ما وسع رسولَ الله ﷺ؟ أم تظنون أنكم أهدى سبيلًا من نبيٍّ أُنزِل عليه الوحي؟ هيهات هيهات. 

قال أبو كندا : لذلك اقترح، أن تُقام صلاةُ التراويح جماعةً في كلّ ليلةٍ من ليالي شهر رمضان في الحرمين الشريفين وفي الجوامع العظام من جوامع الأحياء، ولا تُقام في المساجد الصغار؛ إذ كان في ذلك اجتماعُ أمرين، كلاهما محمود العاقبة.

فأمّا الأوّل: فإنّ جمعَ الناس على إمامٍ واحدٍ في الحرمين والجوامع الكبار أدعى إلى لزوم الجماعة، وأبعدُ من التفرّق والاختلاف، وأمنعُ للغوغاء والاضطراب؛ لأنّ الكثرة إذا انتظمت بإمامٍ واحدٍ كانت إلى السكون والطاعة أقرب، وإذا تفرّقت تطرّق إليها الخلاف.

وأمّا الثاني: فإنّ تركَ إقامة الصلاة في المساجد الصغار، وحثَّ الناس على القيام في البيوت، أَولى بموافقة ما أراده رسول الله ﷺ، واجتنابِ ما كرهه، إذ كان ﷺ يحبّ أن تُؤدَّى صلاةُ الليل في المنازل، إلا في ليالٍ مخصوصة، وهي ثلاث وعشرون، وخمس وعشرون، وسبع وعشرون، لما فيها من رجاء الفضل واجتماع القلوب.

فإذا كان الأمر كذلك، فقد وافقنا بهذا الفعل قصدَ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، إذ جمع الناس على إمامٍ واحدٍ، لا ليُحدث عبادةً، ولكن ليضبط ما خُشي عليه الاختلاف، ويقرّب الناس من السُّنّة من غير إفراطٍ ولا تفريط

ونحن اليوم نبصر ثمرةَ مخالفة هدي رسولِ الله ﷺ ظاهرةً لا تُنكر؛ ازدحامَ الصفوف في أوائل رمضان، وتفرّقها في أواخره، مع أنّ الشرف كلَّه في آخر الليالي، ففيها ليلةُ القدر، موضعُ الرجاء، وغاية الطلب.

فلو سلكوا سبيله، ولزموا سنّته، لدام لهم النشاط، واستقام لهم العمل، ولكنهم شدّدوا حيث كان الرفق، وفتروا حيث كان الاجتهاد، فدلّ ذلك على أنّ الخير كلَّه في الاتباع، وأنّ من ترك الأثر خذله القصد، وإن حسب نفسه مهتديًا.

كتبه

ماجد بن محمد العريفي

23-1-2026