إعلانٌ هامّ
حديثُ العرباضِ بنِ ساريةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ:
«فعليكم بسنّتي، وسنّةِ الخلفاءِ المهديّينَ الراشدينَ، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ» حديثٌ لا يُحتجّ به.
ومع ذلك قد شاع في الناس هذا الحديث، وتداوله الخطباءُ والوعّاظُ، واستكثر به المحتجّون، حتّى جُعل أصلًا تُبنى عليه الأصول، وتُقاس به السنن، وليس الأمر عند أهلِ التمييز كما شاع، ولا عند أهلِ النظر كما ذاع.
وذلك أنّ هذا الخبر، على اشتهاره، معلولُ الإسناد؛ فإنّ في إسناده عبدَ الرحمنِ بنَ عمرو السُّلَميَّ، وهو رجلٌ لا تُعرَف عدالتُه، ولا تُستبان حالُه. وقد قيل: له متابعٌ يُقال له حُجْرُ بنُ حُجْر، وليس بذاك؛ إذ الجهالةُ قد لزمتْه كما لزمت صاحبَه، والضعيفُ لا يقوّي الضعيف، والمستورُ لا ينهض بالمستور. وإذا كان أصلُ الباب معلولًا، كان البناءُ عليه واهيَ الأركان، سريعَ الانهدام.
وأمّا من يتكلّف تصحيحَ هذا الخبر، ويستفرغ جهدَه في تثبيته ليجعل منه أصلًا يُحتجّ به في أفعال الصحابة، قيل له: إن سلّمتَ بصحّته، فزعمتَ أنّ للخلفاء سننًا تُتَّبع، فمن نتّبع إن اختلفوا؟ وعلى أيّهم نقف؟
إذ لا يخلو الأمر من أحد وجهين: إمّا أن يُتّبع جميعُ الخلفاءِ في كلّ ما سنّوا، أو يُنتقى منهم بعضٌ دون بعض. فإن قيل بالأوّل، لزم الاضطراب؛ لأنّهم قد اختلفوا في غير مسألة، وتباينت آراؤهم في غير باب، ولا يُعقل أن يكون المتناقضان حقًّا في آنٍ واحد.
وإن قيل بالثاني، طُولِب القائلُ بالدليل على التخصيص؛ إذ لا نصّ يُخرج بعضَهم دون بعض، ولا حجّة تُثبت الاتباع لاثنين دون الأربعة.
أما ترى أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يُحدِث قيامَ رمضانَ جماعةً، ثم جاء عمرُ رضي الله عنه فجمع الناسَ عليها، وقال ما قال؟
وأمّا عمرُ رضي الله عنه فقد نهى عن متعةِ الحجّ، ولم يكن أبو بكرٍ على ذلك، ولا عثمانُ، ولا عليٌّ رضي الله عنهم، فمن نتّبع؟
وأفتى عمرُ رضي الله عنه، وألحّ في فتواه، أنّ الجنبَ إذا عدم الماءَ لا يتيمّم ولا يصلّي، ولو أقام على ذلك شهرًا كاملًا، أفنأخذ بقوله؟
وأفتى عثمانُ رضي الله عنه، ووافقه عليٌّ رضي الله عنه، فيمن جامع أهلَه ولم يُنزِل، أنّ عليه الوضوءَ وغسلَ الذَّكَر دون الاغتسال، أفنُلزم الناسَ بذلك؟
وفرض عثمانُ رضي الله عنه الزكاةَ في الخيل، ثم لم يفرضها عليٌّ رضي الله عنه، فأيُّ القولين أولى بالاتباع؟
فإن قيل: بل نتّبع أبا بكرٍ وعمرَ وحدَهما، قيل له: ومن أين لك هذا التخصيص؟ وبأيّ نصٍّ تُخرج عثمانَ وعليًّا من جملة الراشدين، وقد شهد لهم غيرُ واحدٍ بالهدى والفضل؟
ثم نقول: إذا كان الأمرُ كما تزعمون أنّه خاصٌّ بأبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما، أفيسوغ لكلّ ملكٍ أو أميرٍ أو متغلِّبٍ أن يحتجّ بقول «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين»، فيوصي بأن يُدفن في حجرة النبي ﷺ اقتداءً بسنّة أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما؟!
فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف يجرّ تصحيحُ حديثٍ في إسناده مجهولٌ إلى اضطرابٍ في الأصول، واختلافٍ في المعايير، وتناقضٍ في الاتباع، حتّى يُصبح الدينُ تابعًا للأسماء لا للأدلّة، وللأهواء لا للآثار.
وقد قصدتُ بهذا القول إثارةَ الغضب، لا حبًّا في الغضب، ولكن كراهةً للغفلة؛ فإنّ الصدمةَ قد تُوقِظ، والرفقَ قد يُنوِّم. واللهَ أسأل أن يرزقنا إنصافًا في الحديث، وبصيرةً في الدليل، وأن يجعلنا من أهل العدل لا من أهل التقليد.
كتبه
ماجد بن محمد العريفي
31-21-2025