قال الله عزّ وجلّ:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.
انظروا – رحمكم الله -كيف امتنّ الله على العباد بأن جعل الخطاب لأهل القرى، ولم يخص به أهل المدن، إذ القرية مجتمعها صغير، وأهلوها متدانون، لا تباعد بينهم ولا افتراق، يسهل دعوتهم، وتتهيأ أسباب إصلاحهم، ويظهر فيهم الخير عاجلاً، فلا يضر القرية ما فعلت المدينة.
فالقرويين متقاربون في الديار، متآلفون في العيش، متعاونون في الشأن، فإذا ظهر فيهم داعٍ إلى الله، كان لصوته رجعٌ في كل بيت، ولكلمته صدىً في كل قلب.
فيا – معشر الدعاة – الزموا قراكم، وأحيوا فيها ذكر الله، وعلموهم معنى لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله، وابنوا فيها منابر التوحيد، وشيّدوا دعائم السنة، واهدموا قباب البدع، وامحوا رسوم الشرك، وعلّموا الناس { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، و { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ }
حدثوهم عن الشرك اذا تفشى انهك القرية ومن فيها، { وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا }
قريةٌ يُعبد فيها غير الله، لا يُرجى لها فلاح، ولا يُنتظر لها إصلاح، وأهلها وإن كانت فيهم قوة، فهم أذلّاء، وإن كانوا أكثر عددًا، فهم عبيد، فإنّ الحرية في توحيد الله، والكرامة في طاعته، والعزّ في اتباع نبيه ﷺ.
وأميتوا سنن البدع، وانهوا عن مظاهر الشرك، فإنّ الله ـ جلّ ثناؤه ـ وعد من آمن به واتقاه، أن يفتح عليه بركاتٍ من السماء والأرض.
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.
ارجعوا إلى قراكم، فإنّ فيها مبدأ الحكاية، ومنها تنبثقُ شرارة الحياة. ففي ظلالها يُربَّى الفتى على الصفاء، ويشبُّ المرء على السكينة، وتُغرس القيمُ كما تُغرسُ الغراس في تربتها الوديعة.
وابنوا الإسلام في نفوسكم، فإنّ بناء الإسلام ليس بأحجارٍ تُرصُّ، ولا بجدرانٍ تُشاد، بل هو بناءُ الإنسان الحقّ، وإنسانيته الكاملة.
واجعلوا نهجكم في هذا البناء ما نطق به الهادي البشير، صلوات الله وسلامه عليه، إذ قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ».
تلك هي القواعد الخمس، فمن أقامها فقد أقام صرحًا من اليقين، لا تهتزُّ أركانه، ولا تميلُ جدرانه، وإن زلزلت الأرض زلزالها.”
واعلموا ـ يا معشر الدعاة ـ أن الخوض في غمار السياسة، والتعمق في شعابها المظلمة، ليس من دأب الدعاة ولا من شأنهم، ولا هو مما ندب الله إليه أولياءه، بل هو من ضياع الزمان، ومحو البركة من الأعمال، وفساد السرائر، وإذكاء نار الفتن في صدور المؤمنين.
وإياكم ثم إياكم أن تمتدّ أيديكم لمنازعة الأمر أهله، أو أن تندسّوا بين جموع الناس مثيرين ما يوغر الصدور، فإن الله جل ثناؤه قد أمر بطاعة أولي الأمر، وقرنها بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن الخروج عليهم، لما في ذلك من الشر المستطير، والبليّة التي لا تُبقي ولا تذر.
فإنّ منازعة السلطان، وتأليب العامة عليه، وإشعال الفتن بين الرعية والرعاة، جالبٌ لسخط الله، وداعٍ لنزول النقم، ومقدمةٌ لهلاك القرى، وخراب الديار، وذهاب العقول، وفساد القلوب.
فإذا اشتعلت نيران الفتنة، لم تُبقِ من العقل إلا رماده، ولا من القلب إلا جمرةَ الحقد، تهيج الأرواحُ، وتختلط الأنفاسُ، وتتعالى أصوات الأحزاب، وتنبعث رائحة التعصبات، حتى يُخيّل إليك أنّ الناس قد انقسموا طرائقَ قددًا، وكل حزب بما لديه فرح.
فالتحزب داءٌ عضال، لا يُرجى برؤه، والتشيع لغير الحقّ هلاكٌ، وعقوبةٌ نازلة من السماء، وسنةٌ من سنن العقاب الإلهي إذا أصرّ الناس على الغيّ.
أفلا تنصتون إلى نداء الحق في كتابه المبين، إذ يقول جل جلاله:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف جعل ربكم التشيع والتحزب عذابًا من جملة العذابات في الدنيا.
علم به فرعون فاستخدمه في شعبه:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾، أتدرون لماذا؟
﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ ﴾،
يا معشر الدعاة، إياكم والخوضَ في غِمار السباب والشتائم، والتلفظ باللعائن والدعوات على العباد، فإن ذلك مما تنزهت عنه شريعة الإسلام، وارتفعت به عن سوق الأهواء ونزغات الجهّال، لا يُقرّه دين، ولا يرضاه عقل، ولا يدلّ عليه خُلق كريم.
ليس السباب من شأن أهل الدعوة، ولا الشتم من دأب المتقين، سواءٌ كان ذلك في حقّ مسلم خالفكم، أو كتابيّ عاش بينكم، أو مشرك أنكر دينكم؛
فـ ” لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا “
فإذا أنتم فعلتم ذلك البناء، وتمسكتم به، وسلكتم سبيله، فأبشروا ، بالعزّ الذي لا يُذلّ، والغنى الذي لا يُفتقر بعده، والبركة التي تعمّ بيوتكم، وتفيض على أهليكم، وتُظلّ قريتكم بفيئها، حتى كأنها جنة من جنات الأرض، لا يُمسّ فيها جائع، ولا يُرى فيها فقير، ولا يُسمع فيها أنين محتاج.
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.
كلمةٌ من ربكم، لو تدبرتموها، لأغنتكم عن كثير من المواعظ، فإن فيها وعدًا من لا يُخلف وعده، ووعيدًا من لا يُردّ بأسه.