تأويل قول الله تعالى: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }

أي الذين أَمَّنوا أنفسهم من عذاب الله بِشهادتهم لله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدرِ خيرِه وشرِّه

———-

التفسير:

قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }

قال أبو كندا: هاتان الآيتان نعتٌ للمتقين، ليُعرَف مَن هم.

وإنما أردتُ بالنعتِ ما أراده العربُ في المعنى، وما عناه النحويّون في الإعراب.

فالعربُ لا يَعُدُّونَ النعتَ إلّا إذا وصفَ الشيءَ بمحاسنه، كأنَّه يمدحه؛ فإنْ وصفَه بمساوئه، أو بنقيصةٍ، لم يُسَمُّوهُ نعتًا. لذا لم يَصِفْهُمُ اللهُ عزَّ وجلَّ هاهُنا بأنَّهم إذا أخطؤوا أو أذنبوا يستغفرون.

وأما عند النحويين، فالنعتُ تابعٌ للمنعوت، يوافقه إعرابًا، ويُبيِّن حاله أوصفه أو شأنه.

******

{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }

قال ابو كندا: (الإيمان) اشتقاقه من الأمن على وزن إفعال، ومعنى (الأمن) هو سكون النفس مما تخاف، و{يُؤْمِنُونَ } مضارع أمن.

و «آمن» مأخوذ من «أمن»الثلاثي، فالهمزة في «أمن» للصّيرورة نحو: «أعشب المكان» أي: صار ذا عُشْب.أو لمطاوعة فعل نحو: «كبه فأكب».

وَمَجِيءُ { يُؤْمِنُونَ } فِعْلًا مُضَارِعًا لِإِفَادَةِ أَنَّ إِيمَانَهُمْ مُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ .

ونقل الواحدي عن ابي القاسم الزجاجي: أنه شرح معنى الإيمان بما هو أظهر، وهو أنه قال : معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق.

وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله. [فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر.أ،هـ

قال أبو كندا: وقد اختلفوا في تقدير معنى الذي يتم به الأمان، فقالوا: التصديق أو الإقرار أو الاعتراف أو الاطمئنان.

والصواب عندي هو الشهادة؛ لأن الشهادة تدل على هذا كله. قال المعلمي: الشهادة هي المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه.

قال أبو كندا: وإذا تأملتَ الشهادة، وجدتها تنطوي على أربعة أركان: فأولها المعرفة، وهي البصيرة التي ينقدح منها نور الفهم في القلب. وثانيها الإقرار، وهو النطق الذي يفيض به اللسان، سواء أكان قولاً صريحاً أم إشارة تدل على المعنى. وثالثها الانقياد، وهو خضوع النفس واستجابتها، ورابعها الالتزام، وهو الحضور والنصرة، بحيث يكون المؤمن في نصاب أهل الحق، لا يفر عنهم ولا ينكص.

روى أحمد بسنده عن معاوية بن الحكم قال : قَالَ : وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي فِي قُبُلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : ” ائْتِنِي بِهَا “. فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا : ” أَيْنَ اللَّهُ ؟ “. فَقَالَتْ : فِي السَّمَاءِ. قَالَ : ” مَنْ أَنَا ؟ “. قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ : ” أَعْتِقْهَا ؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ “. وَقَالَ مَرَّةً : ” هِيَ مُؤْمِنَةٌ فَأَعْتِقْهَا “. < قال أبو كندا: الحديث حجة >

وروى الطبري بسنده عن الزهري: الإيمانُ العملُ.

< قال ابو كندا الرواية مقبولة > 

وهذا يدل على أن الأمان ليس بمجرد التصديق.

قال ابن حيان: وَالْهَمْزَةُ فِي أَمِنَ لِلصَّيْرُورَةِ كَأَعْشَبَ، أَوْ لِمُطَاوَعَةِ فِعْلٍ كَأَكَبَّ.أ،هـ

قال ابن كثير: وأصلُ «يُؤْمِنون» : يُؤَأْمِنُون بهمزتين، الأولى: همزةُ أَفْعَل،والثانيةُ: فاء الكلمةِ، حُذِفَت الأولى لقاعدة تصريفية، وهو أن همزة أفْعل تُحْذَف بعد حرفِ المضارعةِ واسمِ فاعله ومفعولِه نحو: أُكْرِمُ وتُكْرم ويُكْرم ونُكْرم وأنتَ مُكْرِم ومُكْرَم، وإنما حُذِفَت لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرفُ المضارَعةِ همزةً نحو: أنا أُكرم. الأصل: أُأَكْرِمُ بهمزتين،الأولى: للمضارَعةِ، والثانيةُ: هَمزَةُ أَفْعل، فحُذِفَت الثانيةُ لأنَّ بها حَصَل الثِّقَلُ، ولأن حرفَ المضارَعَةِ أولى بالمحافظةِ عليه، ثم حُمِل باقي البابِ على ذلك طَرْداً لِلْبابِ، ولا يجوز ثبوتُ همزةِ أَفْعَل في شيء من ذلك. أ،هـ

قال الراغب: ولذلك قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}فالإيمان: اسم لثلاثة أشياء: علم بالشيء وإقرار به، وعمل بمقتضاه، إن كان لذلك المعلوم عمل، كالصلاة والزكاة. وهذا هو الأصل.

******

{ بِالْغَيْبِ }

قالَ أبو كِندا: الغَيْبُ هو ما لا تُدْرِكُهُ بحواسِّكَ من الوجودِ.

ولم أَخصَّهُ بما خَفِيَ عن البصرِ، فإنَّ ذلك من معنى [ج ن ي]، كالجَنانِ وما جَنَّهُ الليل.

وقَيَّدتُهُ بالوجودِ، لأنَّ ما لا وجودَ له خُرافةٌ أو وهمٌ، فلا يُعدُّ غيبًا، بل العدمُ ليس بشيء.

قال البيضاوي: والغيب مصدر، وصف به للمبالغة كالشهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ. أ.هـ

قال أبو كِندا: لذلك لا ينبغي أن نقول لأحدٍ إنه يعلم الغيب، فإنّ في ذلك تجاوزًا للحدِّ، وتعدِّيًا على ما استأثر الله به من العلم، وما اختصَّ به دون خلقه، بل إن كان يعلم أمرًا خفيَ عنّا، فليُقال: يعلم غيبَ كذا، تقييدًا وإيضاحًا، لا إطلاقًا وإغراقًا، لئلّا يُنسَب للمخلوق ما لا يليق إلا بالخالق.

قال الثعلبي عن الغيب : وهو مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب، كما قيل للصائم: صوم، وللزائر: زور، وللعادل: عدل.

قال أبو كندا: والباءُ هنا حرفُ جرٍّ، بمعنى: الأصلُ في الشيءِ، فيكونَ معنى الكلام: إنَّ الأمنَ من اللهِ لا يكونُ إلّا بالشهادةِ للغيبِ.

وأمّا “أل” في [الغيب]، فهي للعهد الذهني، لا للاستغراق، والمعهودُ ما بيّنه النبيّ ﷺ لجبريلَ حين سأله عن الإيمان، فقال: “أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره”، فصار الغيب في هذا السياق معلومًا بتلك المعاني.

وكيف يُعقل أن تكون “أل” في [الغيب] للاستغراق، ونحن لا نُحيط علماً بكل غيب، ولا طُلب منّا الإيمانُ بما لم يُبلّغنا اللهُ به؟! فكم من أمرٍ غيبيٍّ استأثر اللهُ بعلمه، ولم يُطلع عليه نبيًّا مرسَلاً، ولا ملَكًا مقرّبًا، فكيف يُكلَّف العبدُ بالإيمان بما لا يسمع له ذِكرًا، ولا يجد له في كتاب الله أثَرًا؟!

بل إنّما أُمرنا بالإيمان بالغيب المعرّف، المُبلّغ، الذي أخبرنا الله به على لسان نبيّه ﷺ، فكان العهد الذهني هو المعتبر، لا العموم المطلق.

إذاً، معنى { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } أي الذين أَمَّنوا أنفسهم من عذاب الله بِشهادتهم لله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدرِ خيرِه وشرِّه.

قال أبو كندا: اختلفت عبارات السلف في معنى الغيب وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.

فروى الطبري بسنده عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ.

< قال ابو كندا الرواية صحيحة >

كتاب M-9

وروى بسنده عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والبَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ. <الاسناد مقبول مقارب للصحيح>

وهو كتاب J

وروى ابن ابي حاتم بسنده عن قَوْلُهُ: ﴿بِالغَيْبِ﴾

 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: ذَكَرُوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ وإيمانَهم عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ كانَ بَيِّنًا لِمَن رَآهُ، والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، ما آمَنَ مُؤْمِنٌ أفْضَلَ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ .

< قال ابو كندا الرواية صحيحة >

كتاب 29

وروى ايضا بسنده عَنِ السُّدِّيِّ، أمّا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ العَرَبِ، أمّا الغَيْبُ: فَما غابَ عَنِ العِبادِ مِن أمْرِ الجَنَّةِ وأمْرِ النّارِ وما ذُكِرَ في القُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُهم بِذَلِكَ مِن قِبَلِ أصْلِ كِتابٍ أوْ عِلْمٍ كانَ عِنْدَهم.

<قال ابو كندا الرواية مقبولة >

وهذا كتاب Aa

وروى بسنده عَنْ زِرٍّ، قالَ: الغَيْبُ القُرْآنُ.

< قال ابو كندا الرواية صحيحة >

وهذا كتابJj-12

وروى بسنده عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ، فَقَدْ آمَنَ بِالغَيْبِ.

< قال ابو كندا الرواية صحيحة >

كتاب Aa-7

وروى بسنده عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ قالَ: بِغَيْبِ الإسْلامِ.

< قال ابو كندا الرواية صحيحة >

كتاب 5 باب 28

فإن قال قائل: إنّ الشهادة لا تكون إلّا عن علمٍ وبصيرةٍ، فكيف يشهد العبدُ للملائكةِ والرسلِ والكتبِ وهو لم يرها، ولا يحيطُ بخبرها؟!

قلت الشهادة لله وبأنه الله تعني أنك جعلتَ خبره كالمُعايَن، وصدّقتَه تصديقَ من رأى وسمع، فصار الغيب عندك كالحضور، والإقرار كالمشاهدة.

ألا ترى إلى قول إبراهيم الخليل عليه السلام حين {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ } فشهد بما لم يُشاهد، وأقرّ بما لم يره، 

قال الله عز وجل { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا }

وذلك لما قام في نفس إبراهيم من البصيرة، واستقر في قلبه من النور، فكأنّه حضر الخلق، ورأى الفطر، وعاين الأمر بعين البصيرة لا بعين البَصر.

وهو من باب قول خزيمة الانصاري الذي شهد للرسول ﷺ وهو لم يحضر الواقعة، كما في رواية احمد عندما قال فيها ” فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْأَعْرَابِيِّ، وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ : هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ : وَيْلَكَ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ إِلَّا حَقًّا. 

حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ لِمُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُرَاجَعَةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ : هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ. قَالَ خُزَيْمَةُ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ : ” بِمَ تَشْهَدُ ؟ “. فَقَالَ بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ”. رواه احمد قال ابو كندا حجة.

قال أبو كندا: وأظن أن أبا بكر لم يحضر الواقعة فلو حضرها لشهد للرسول ﷺ ، من قوة يقينه به.

قال الرسول ﷺ “وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ” مسلم

ومن الباب ايضاً قول الله عز وجل { وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ} فمَن شهد في الدنيا للرسل بتبليغ الرسالة، وللكتب بالنزول، سيشهد عليهم في الاخرة، فشهادته في الدنيا مُقدّمة لشهادته في الآخرة.

روى احمد في مسنده عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ – رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ – : حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : نَعَمْ، أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا جَيِّدًا ؛ تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا ؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ، وَجَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ : ” نَعَمْ، قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي، وَلَمْ يَرَوْنِي “. احمد

قال أبو كندا: الحديث حجة 

قال الماتريدي : يؤمنون باللَّه غيبًا، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).

*******

قال أبو كندا: وأمّا من زعم أنّ الغيب اي حال غياب الناس، وأنهم يخشعون إذا خَلَوا، فقولٌ ضعيف لا يستحق الوقوف عليه، ولا إضاعة الوقت فيه.

قال الراغب: وقال بعض المتأخرين من المتكلمين: يحمل قوله تعالى ” بالغيب ” على المعنيين وخفي عليه أن ذلك لا يصح، فإن وبالغيب في القول الأول: مفعول: في القول الثاني: حال لا يصح أن يقال ضربت راكباً، و ” راكب ” يكون مفعولاً: لـ ” لضربت ” و “حالاً ” للفاعل.ا،هـ

والوجه: هو القول الأول، لأنه مستوعب لمعنى الثاني وزائد عليه، إذ كل من آمن – على الوجه الأول – فلا شك أنه بخلاف من يقول: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وقيل: معنى قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} يعني بالقلب، والنور الذي آتاهم الله وهو العقل،ومعناه: آمنوا بقلوبهم، بخلاف من أخبر الله تعالى عنهم بقوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ومن حكى عنهم: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وهذا أيضاً يرجع إلى الأول عند التحقيق، وقيل: ” يؤمنون ” من: ” آمن فلان ” – أي: صار ذا أمنٍ نحو أحال وأجرب.

ومعناه: صاروا ذوي أمن بظهر الغيب بأن ما أخبروا به حق، فتطمئن قلوبهم بذكر الله.