عن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»

جمعَ النبيُ ﷺ في هذا الحديث انواعَ الحبِ في ثلاثِ اصنافَ الأولُ حبُ الوالدِ وهو مثالٌ على حبِ التعظيم ِ والإجلال والتقدير ، ويدخلُ في ذلكَ تعظيمُ المال وحبه وتفضيله على الوالدين والاولاد والاصحاب ، حتى يصلَ الى درجة البخل فيفضلُ المالَ على نفسه فتجدُه يذلُ نفسَه وينهكها ويبيعها ويخاطر بها من اجل حب المال قال ﷺ ” يبيع دينه بعرض من الدنيا ”
وايضا يدخل في هذا النوع تعظيم النفس وحبها وتفضيلها على الأهل والأصحاب فلا يهتم إلا بنفسه وراحتها وتحقيق ملذاتها فتجده يضيع ماله للذة ساعة لايرى الانفسه ولايقول الا نفسي نفسي . قال ﷺ “لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وَهوَ مُؤمنٌ، ولا يَسرِقُ السَّارقُ حينَ يَسرِقُ وَهوَ مُؤمنٌ، ولا يَشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وَهوَ مؤمنٌ ”

والثاني حب الولد وهو مثال على حب العطف والشفقة والرحمة ولا يأتي هذا الحب الا من القوي لضعيف او من الكبير الى الصغير كتفضيل الأبناء على النفس والمال والأصحاب فشغله الشاغل ابناءه كيف يدخل السرور عليهم ويحقق احلامهم يسرق ويختلس ويغش ومن ثم يهدر هذا المال من اجل فرحة عابرة يراها على طفله . قال تعالى” إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم “فقد يحب الانسان زوجته حب عطف ورحمه .

وأما الثالث حب مشاكلة واستحسان كحب سائر الناس ، ويدخل في ذلك حب الزوجة لإستحسانها وجمالها فيتعلق قلبه بها فيقرب من تحب ويعادي من تكره حتى أنه يطرد والديه لأجل ارضاء زوجته . قال تعالى ” إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ”
ويدخل في هذا النوع أيضا حب الأصحاب وهو حب المشاكله أي أن الإنسان يحب من يشاركه في اهتماماته أو هواياته ويرتاح له ، فيفضل اصحابه على أهل بيته ، ويُسخر جهده وماله لأصحابه او لناديه او لحزبه ليجد الثناء والمديح ، شعاره لاغيبة لفاسق والغاية تبرر الوسيلة ، وماتريد أن يقول الناس .
ومعنى الحديث والله أعلم أن تقدم الرسول ﷺ على حبك من اي نوع كان .
ولهذا لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ حَاصَ أَهلُ المَدِينةِ حَيصَةً وقالوا : قُتِلَ محمدٌ ، حتى كَثُرتِ الصَّوارِخُ في نَاحِيَةِ المَدينةِ
فلما رجع الجيش مروا على امرأة من بني دينار وقد أُصِيبَ زَوجُها وَأَخُوها وَأَبُوهامَعَهُ بِأُحُدٍ ، فَلَمَّا نُعُوا لها قَالَت : فَمَا فَعَلَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ؟ قَالُوا : خَيرًا يَا أُمَّ فُلانٍ ، هو بِحَمدِ اللهِ كَمَا تُحبِّينَ ، قالت : أَرُونِيهِ حتى أَنظُرَ إِلَيهِ . قال : فَأُشِيرَ لها إليه ، حتى إذا رَأَتْهُ ، قالت : كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَلٌ .. أَيْ كُلُّ مُصِيبَةٍ دُونَكَ هَيِّنَةٌ صَغِيرَةٌ
صدقوا في حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحرصوا على رؤيته وصحبته، وقد كان فَقْد صحبته ورؤيته صلى الله عليه وسلم أشد عليهم من كل شيء.

وهذا زَيدُ بنِ الدِّثِنَّةِ ـ رضي اللهُ عنه ـ فإنه لمَّا اجتَمَعَ رَهطٌ مِن قُرَيشٍ لقتلِهِ ، وقال له أبو سُفيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقتَلَ – : أَنشُدُكَ بِاللهِ يَا زَيدُ ، أَتُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآنَ عِندَنَا مَكَانَكَ نَضرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ في أَهلِكَ ؟ قال : واللهِ ما أُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآنَ في مَكَانِهِ الذي هو فيه تُصِيبُهُ شَوكَةٌ تُؤذِيهِ وَأني جالسٌ في أَهلي !! فقال أَبو سُفيَانَ : مَا رَأَيتُ مِنَ الناسِ أَحدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصحَابِ محمدٍ محمدًا ، ثم قَتَلُوهُ ـ رضي اللهُ عنه .

أحبوه وبذلوا المال والنفس والنفيس دونه ﷺ

فليحذر الذين ادعوا حبه ولم يتبعوه واتبعوا أهواءهم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )

كتبه ماجد العريفي
يوم الخميس 6-4-1435هـ